قراءات نقدية تسبر أغوار ذاكرة المكان في ثلاثة إصدارات عمانية

متابعة ـ فيصل بن سعيد العلوي :
في جلسة أدبية ضمن “سلسلة كتابهم”

استعرضت جلسة أدبية أمس الأول ضمن سلسلة كتابهم، التي أقامتها مؤسسة بيت الزبير ذاكرة المكان في ثلاثة إصدارات عمانية وهي كتاب “الخضراء لؤلؤة النهار وتغريبة المساء” للكاتب محمد الصالحي وقدم القراءة حولها الشاعر سماء عيسى، و كتاب “بيت الجريزة” للكاتب هاشم الشامسي وقدم القراءة حوله الكاتب سليمان المعمري، وكتاب “نوستالجيا صورية” للكاتبة مريم الحتروشية وقدم القراءة النقدية عنه الكاتب إبراهيم سعيد.

الأمسية التي أقيمت بحضور المؤلفين محمد الصالحي وهاشم الشامسي بدأها الشاعر سماء عيسى متحدثا عن كتاب “الخضراء لؤلؤة النهار وتغريبة المساء” قال فيها إن قراءة هذه الكتابة الحميمية تأخذك إلى اكتشاف وحدة النسيج الاجتماعي العماني منذ أقدم العصور، وحدته وتآلفه يشكلان وحدة مجابهة لكل من اعتقد خاطئا عدم تآلفه، هذا النسيج الذي هو الدعامة لبقاء المجتمع حيا، وطريقا رحبا لتطور الإنسان به، تآلف يجمع مذاهب دينية مختلفة، وإن جاءت من أرضية دينية واحدة، هي الدين الإسلامي الذي منه تنطلق التآلفات وليس بكتابه الكريم وسيرة رسوله ما يؤدي إلى تمزيق وحدة المجتمع وبناءه المشترك على أيدي أبنائه المخلصين.

وأضاف “سماء عيسى”: الكاتب يستعين بذكرى جدته شيخة بنت سالم القاسمية في إضفاء محبة للمكان وتقديمه كأرض تتسم بالحميمية المفقودة خاصة في تحملها شدائد الحياة وهي صفة تعرف بها الأمهات العمانيات منذ القدم، تصل إلى درجة السخرية من نوائب الزمن الحديث، كموقفها من أقنعة كورونا، التي كانت تواجهها بالضحك، هذه الحميمية يضفيها الكاتب على المكان عامة، عائدا بذاكرته ، إلى ظاهرة اختفت اليوم من الحياة كالمسحراتي، وجامع الخضراء التاريخي، الذي شهد أسماء أئمته.

كما أشار سماء عيسى إلى النصوص الأخرى الشارحة لمجموعة من الحكايا والأساطير، التي قال عنها: إن الكاتب قدم تحليلا لها، يعتمد على التمازج الحضاري بين ضفتي الخليج العربية والفارسية، مثل طقس السركهوه، معيدا إياه إلى أسطورة فارسية قديمة، تقدم من خلالها القرابين لآلهة البحر، وأسطورة الحمبكر، التي تقام ليلة العاشر من محرم كل عام، يعيدها الكتب أيضا إلى فارس، وهي لديهم في الخضراء تحل محل القرنقشوه في مركز الولاية فضلا عن عدد آخر من الحكايا الشعبية التي لا تصل إلى ذروة الأساطير، والمرتبطة بمعاناة البحارة والصيادين في البحر مثل حكايا الخنبش وأبو شريع وشومير حول إعادة بعض من التراث الشفهي الحكائي والغنائي إلى التراث الآسيوي والأفريقي، يتفق في ذلك معه كافة الباحثين في هذا المجال، كما وثق الكاتب الذاكرة السياسية للخضراء، حيث أفرد فصلا خاصا تحت عنوان “فرضة الخضراء، سارية التاريخ وبنديرة آل سعيد”، وعبر أزقة الخضراء وطرقها وصولا إلى البحر، كان عليها خوض البحار الهائجة وصولا إلى البصرة ومكران وصلالة وعدن وزنجبار .. عالم يكاد يكون ساحرا في بساطته، ما جعل اتحاده الجمالي بالطبيعة سحريا، بعيدا عن أي تصنع وتكلف يخلقه تعقيد المدنية المعاصرة، التي مع قدومها اختفى سحر الخضراء، وعادت الحياة لتشكل أساطيرها الجديدة، بعيدا عن المألوف المكاني والزماني الذي حدا بعيد الصالحي إلى كتابة الجمال الراحل بحميمية من يدرك دون عودته ثانية .

من جانبه قدم الكاتب سليمان المعمري قراءته في كتاب “بيت الجريزة” للكاتب هاشم الشامسي قائلا في بداية حديثه: إذا كان هاشم الشامسي قد صنف كتابه “بيت الجريزة” سيرة الذاتية كما هو مكتوب على الغلاف فإن التوصيف الأدق على ما يبدو لي هو ذاكرة أمكنة تقاطعت معها ذات المؤلف وتذكرت ما عاشته فيها عبر مراحلها العمرية المختلفة ملتقطة بعض الأحداث أو المواقف التي رسخت في الذاكرة أماكن عاش فيها الشامسي وشكلت ذاته التي لا يكتفي بأن تكون هي الحاضرة في السرد بل يصف لنا أيضا تفاصيل المكان والبشر والأشجار والكائنات والأشياء، وقد جاء عنوان بيت الجريزة من أحد المعالم الأثرية لمدينة مسقط كان قد شيد على أنقاض كنيسة بناها البرتغالييون في المدينة، إنه كما يذكر المؤلف تحريف للفظ الكنيسة البرتغالي “اكريجة” وينقل الشامسي عن القنصل البريطاني في عمان صموئيل باريت مايلز الذي أقام في مسقط في الفترة ما بين عامي 1872 و 1886 أن بيت الجريزة كان مقرا لإقامة حكام الدولة البوسعيدية، وكان السيد سلطان بن أحمد بن سعيد آخر من أقام فيه حتى سنة 1800؛ من هنا سيبدو للوهلة الأولى أن هذا هو أنسب عنوان للكتاب إذ هو رمز مسقط القديمة الحاضرة في ذاكرة الكاتب كمدينة فاضلة مثلما عنون الجزء الأول من الكتاب. لكن السرد سيتقدم بعد قليل وسينتقل الكاتب للحديث عن السيب التي يصفها بأنها قرية في القلب ثم الإسكندرية وجهة الدراسة الجامعية التي سيصفها بأنها سفر الجسد والروح والألم والحب واكتشاف المجهول، سنكتشف أننا نحن القراء وقعنا إلى حد ما في فخ التضليل فليس الكتاب عن بيت الجريزة فقط حتى وإن كانت صورته تتوسط الغلاف إنه أيضا عن السيب ومقاهيها وأوديتها وحصونها ومزارعيها ومواسم حصادها ومجالسها الصباحية والمسائية وهو أيضا عن الإسكندرية وميادينها ومكتباتها ومسارحها ولبنها الطازج، إنها كذلك عن الطفولة وذكرياتها وشقاواتها وعن الموت وهو يرقص مع الحياة ويخاتلها ويشاكسها ويصنع معناها ولكن أنَّى للمؤلف أن يصنع عنوانا من كل هذا الخليط.

كما عرّج “المعمري” إلى اللغة في الكتاب وقال عنها : نستطيع قراءة لغتين متباينتين في هذا الكتاب الأولى أدبية مكثفة تبرز أكثر ما تبرز عندما يتحدث المؤلف عن نفسه وهواجسه وتأملاته ولغة أخرى صحفية جافة تظهر عندما يحرص على تعريفنا بمكان ما أو معلم فيه أو توثيق مشهد أو زملاء دراسة أو أشخاص غائرين في جزء مظلم من الذاكرة.

وقال سليمان المعمري إن الكاتب كان شحيحا في سرد بعض الذكريات مرجحا أن سبب ذلك يعود إلى المسافة الزمنية بينها وبين وقوعها وبين عمره حيث يمر عليها مرور الكرام.

وفي الختام قال الكاتب سليمان المعمري أن الكتاب استطاع أن يقدم صورة عامة عن الشامسي ليس هو فقط ولكن عن المكان الذي عاشه والأمكنة التي عاشها مسقط أو السيب أو الإسكندرية.

وحول كتاب “نوستالجيا صورية” للكاتبة مريم الحتروشية قدم الكاتب إبراهيم سعيد قراءته النقدية بعنوان “علاجات الحنين” منطلقا من عتبة العنوان حيث قال ” نوستالجيا صورية أهذا الحنين هو إلى صور أو منها، والصورية أهي النوستالجيا أم الكاتبة؟ ولعل قراءة الكتاب ترجح المعنى الثاني، نوستالجيا كاتبة صورية، هكذا يتنقل النص في ردهات ذلك الحنين، لكن بخطوات عاشقة تسلك الدرب الأدبي والفني، ليخرج العمل كأنما هو إضمامة فنية، حلية أو صوغ أدبي، تعبير متلامع عن حب المكان والشغف به، ينطلق كتاب نوستالجيا صورية؛ بشاعرية الحنين للمدينة البحرية ومنها، ليعيد رسم المشاعر الإنسانية المتعلقة بأحد أركان الأرض، وأركان الحياة في نفس الوقت، العاصمة الشرقية: وحدها الطبيعة تقود زمام الأبدية هنا.

وبأسلوب شعري بيّن يعالج هذا العمل موضوعه، أو بالأحرى ما يتجزأ من موضوعه الرئيس لموضوعات متنوعة وإن بدا أنها مختلفة لكنها متفقة المصدر، لها طابع الحنين نفسه، وهو يختار المعالجة الفنية على غيرها من المعالجات التاريخية أو الأكاديمية، ولذلك يعيد التقاط المشاهد المتسربة بين أصابع الزمن ويوثقها، بتعابير لا تعوزها الفتنة في أحيان كثيرة: نوق متهادية على طريق ضيق بين جبلين تركل بين أرجلها أشعة الشمس.

ويضيف “إبراهيم سعيد” : لا شك يسكن البحر صور أكثر مما تسكن صور البحر، وكل الأحلام الصورية تتجه إلى ضوء الشمس المتلامع على الموج، هكذا تغدو الضفاف الأخرى للمحيط، فارسية وسندية وهندية إلى آخر الأرض، أقرب من صور، ألا تمد صور رأس حدها بذلك الاتجاه الشرقي بشكل بالغ الدلالة؟ كأنها ذاهبة نحو الشروق، في هذا المناخ الشعري العام ينمو هذا العمل ليقبض على خيالات الشرود الصورية.

ويشير “إبراهيم سعيد” أن الكتاب لا يقتصر على الإطلالة الأدبية بل يضيف إليها الإطلالة المكانية والزمانية كما نجدها في فصل دكان عمي مسعود حيث يغازل النص طفولته الأولى وقبلته اليومية آنذاك، وبمواد مختلفة حتى إن كان بعضها ما يزال متجاوزًا أمواج الزمن لكنها تظهر في النص مطبوعة ببصمات الذاكرة.

وعرّج الكاتب إبراهيم سعيد إلى “الحنين” في الكتاب مشيرا إلى أن موضوع الحنين قديم، وليس الموضوع بأقدم من الشعور الإنساني الحار الذي ندعوه الحنين، هكذا لم تتوقف الكتابة عنه، وكأنه نبع شعري خالد، لكن هل له من علاج؟ يقول الجاحظ في رسالة الحنين إلى الأوطان: قال بقراط يداوى كل عليل بعقاقير أرضه، فإن الطبيعة تتطلع لهوائها، وتنزع إلى غذائها.
https://www.omandaily.om/ثقافة/na/قراءات-نقدية-تسبر-أغوار-ذاكرة-المكان-في-ثلاثة-إصدارات-عمانية