أكاديميون: اللغة العربية ليست صعبة التعلم ونحتاج لتطويرها تكنولوجيا

استطلاع – ثريا العذالية
بين خطر ضياعها وتعزيز دورها وحضورها

الدكتور زاهر الغسيني: نعيش خطر ضياع اللغة منذ فترة طويلة
الدكتور زاهر الداؤودي: اللغة نظام والنظام في اللغة إنما يحكم وعي المنتج والمتلقي
الدكتور محمد القطيطي: مواقع التواصل الاجتماعي لا تعدّ سببا مباشرا في انتشار العامية
محفوظة الكندية: الطفل لديه مركز لغات قادر على استيعاب أكثر من لغة
شهد العوفية: اللغة الإنجليزية قد يتعدى تأثيرها حدود اللغة إلى ثقافة المتعلم
حمود السعدي: لا بد لنا من الاهتمام بالمخزون الأدبي الذي نملكه
فاطمة آل صالح: الإنسان قادر على أن يوازن بين اللغتين
في مرحلة من عمرنا تنبهنا أننا غرقنا في محيط الثقافة الغربية وتأثيراتها وأبرزها اللغة الإنجليزية مع تقدم الوقت ندرك أنا نتأثر رويدًا رويدًا بما تصدره الثقافة الغربية، ولعل أبرز هذه التأثيرات هي اللغة الإنجليزية. التي كانت وما زالت الشغل الشاغل الذي يستحوذ على جل اهتمام الأفراد ووقتهم وجهدهم، فأصبحوا يتهافتون على تعلمها وإتقانها ظنًا منهم أنها اللغة التي سترفع قدرهم وتحقق مطالبهم وتتيح لهم الحصول على أرقى الفرص والمكاسب، بل وأصبح البعض يتباهى بها ويعدها من علامات التحضر والتمدن فيستحقر، ويستهزئ بكل من لا يجيدها ولا يوليها اهتمامه. ولم يعد هذا التأثير مقتصرًا علينا كأفراد وجماعات نمزج مفردات منها ضمن تحدثنا بلغتنا الأم العربية، بل أصبحت اللغة الإنجليزية مطلبًا أساسيًا في العمل والدراسة ومناح أخرى في الحياة، حتى أصبحت العربية ضائعة، وقلّ ما تستخدم على الرغم من أن عدد المتحدثين بها يصل إلى 420 مليون شخص حول العالم.

شيوع استخدام وتفضيل اللغة الإنجليزية لا يجعلنا ننفر الآخرين من تعلم لغات جديدة والتعرف على ثقافات أخرى إنما يكمن الأمر فقط في استعادة هيبة اللغة العربية والاعتزاز بها وتعزيز دورها وحضورها أمام الثقافات واللغات الأخرى. فما الذي يجعل استخدام اللغة الإنجليزية شائعًا ومفضلًا؟ وكيف يمكن من جانب آخر أن نعزز دور اللغة العربية وحضورها بين اللغات الأخرى؟

تحديات تواجه اللغة العربية
تحدث الدكتور زاهر بن بدر بن علي الغسيني – أكاديمي في كلية الآداب والعلوم الاجتماعية بجامعة السلطان قابوس عن بعض التحديات التي تواجهها اللغة العربية قائلا: “نعيش خطر ضياع اللغة منذ فترة طويلة؛ لأننا ما زلنا عاجزين عن تطوير لغتنا تكنولوجيا من خلال استحداث برمجيات تتواءم وخصائص اللغة العربية، من الاشتقاق وغيره، ناهيك عن اجتياح العامية التي أصبحت خطرًا في قنوات التواصل الاجتماعي، مضيفًا إلى تطبيق الكثيرين لمقولة (خطأ شائع أفضل من صواب مهجور) من خلال استعمال تراكيب لغوية يظنون أنها صحيحة لغويا”.

ورأت شهد بنت حمد بن سعيد العوفية –معلمة لغة إنجليزية– أن قلة الحديث باللغة الأم أو عدم استخدامها سيؤدي إلى نسيانها وفقدان القدرة على الاستعانة بالمفردات العربية الصحيحة عند الحاجة لها. معتقدة أن أسلوب التفكير قد يتغير مع مرور الوقت من تعلم اللغة الإنجليزية، فبعد ما كان المتعلم يفكر باللغة العربية، يتحول أسلوب تفكيره ليصبح كاملًا باللغة الانجليزية وهذا بالطبع سيؤدي إلى نسيان اللغة.

ويرى حمود بن سالم بن خلفان السعدي -شاعر عماني- أن اللغة العربية تمر بتحديات نتيجة تراجع الكفاءات اللغوية عند طلابها ومعلميها لقلة التأصيل اللغوي، إضافة إلى ضعف المعجم اللغوي لدى أبناء العربية نتيجة قلة الارتباط بينهم وبين لغتهم وقلة الاطّلاع على الإرث اللغوي القديم والتفاعل مع الجديد، مع عدم وجود المنهجية الصحيحة في تقديم اللغة العربية في المدرسة والجامعة بالإضافة إلى تبدل المفردات اللغوية في ظل عصر العولمة والصناعة.

وأضاف: “الأجانب لا يجبرون على التعامل باللغة العربية في بلداننا العربية نتيجة لقلة الحرص لدينا نحن العرب إضافة إلى كوننا لسنا في مقدمة الدول حتى يضطر الآخر إلى الاستفادة منا مع عدم وجود سياسات تلزم الأجنبي بذلك. مؤكدًا على أن تركيزنا على اللغة الإنجليزية يعد محل إشكال كبير، مما جعل البعض يعدها لغة تحضر تعزز من شخصيته ومظهره. ويرى أن هذه النظرة ليست بمحلها؛ لأن اللغة العربية لغة حية، وهي لغة بلاغة وجمال، ولا يشعر بقيمتها إلا من توغل فيها، واتضحت له ملامحها جيدًا، فحينئذ لا يمكن أن يعتز بلغة غيره أكثر من لغته”.

فيما اقترح السعدي أن يتم إعادة النظر في المناهج والطرق التي تقدم بها في المدرسة والجامعة؛ لأنها تبدو باهتة ومتهالكة وغير مؤصلة، وعليه يشعر الدارسون بالملل والضجر منها، بل ويظن كثير منا بسبب ترهل هذه المناهج أن دراسة اللغة العربية صعبة ومرهقة، مع أنها سهلة وميسرة إذا ما أراد أصحابها ذلك، وقال لا بد لنا من الاهتمام بالمخزون الأدبي الذي نملكه، فهو الملهم لقرائحنا والمهذب لألسنتنا.

هل اللغة العربية لغة صعبة التعلم؟
ذكرت محفوظة بنت خلفان الكندية -معلمة سابقة للغة العربية لمرحلة الدبلوم– أن هناك عدة أسباب تدفع البعض إلى تجاهل اللغة العربية والاتجاه إلى لغات أخرى منها: إحساسهم بصعوبة اللغة العربية، فالكثير من الناس لا سيما طلبة المدارس والجامعات لا يدركون أن اللغة العربية بحر واسع، وأن لها فروعا متنوعة، فهناك فرع النحو، وفرع الصرف، وفرع البلاغة، والعروض، والمعجم والدلالة، والأدب، والنقد، والنصوص الشعرية والنثرية، وطالب العلم ليس مطلوب منه أن يحب كل هذه الفروع يتقنها، إنما التعرف على كل هذه الأقسام في لغته العربية، ويأخذ منها بقدر ما يدرسه في المراحل الدراسية بما يقوم لسانه وقدراته الكتابية والاستيعابية والتذوقية، وبما يجعله قادرًا على مواجهة متطلبات الدراسة وأمور الحياة بمهارة باستخدام لغة بسيطة فصيحة وسليمة. وإنما التعمق في دراسة اللغة يكون للمختصين. وأشارت إلى أن كثيرًا من طلاب العلم يستصعبون فرع النحو، مما يجعل اللغة العربية في نظرهم صعبة جدًا لمجرد إخفاقهم في فرع واحد من فروعها، وهذا حكم ظالم وغير منطقي، كما ذكرت أن الإيحاءات السلبية التي يتلقاها الطلاب عادة من الأكبر منهم سنًا في المدرسة أو المنزل عن صعوبة اللغة العربية تعكس تأثيرًا سلبًا عليهم مما يجعلهم يتجنبون محاولة تعلمها أو ممارستها. ونسبت الكندية أحد أسباب هذا التجاهل إلى بعض الأساتذة الذين يكون لهم الدور أحيانًا في جعل الطالب ينفر من المادة ويفضل عليها مادة أخرى كاللغة الإنجليزية مثلا، مؤكدة على وجود نماذج كثيرة لطلاب تفوقوا في مادة معينة بسبب مهارة معلميهم وتشجيعهم.

وقال زاهر بن مرهون الداؤودي رئيس قسم اللغة العربية وآدابها بجامعة السلطان قابوس: إن من ينادي بصعوبة العربية لا يعي معنى اللغة إطلاقًا، فاللغة نظام والنظام في اللغة إنما يحكم وعي المنتج والمتلقي. وتساءل: أليست اللغة تعبيرا وتوصيلا؟ فكيف له أن يوصل أفكاره إلا بنظام لغوي متسق متكامل؟ وأضاف: لكل لغة نظامها والعربية من أسهل اللغات وخير دليل على ذلك أن الغربيين يهتمون بالعربية لجمالها وحسن نظامها وبيانها، وهذه حجة واهية لا يقبلها عقل إنسان واع.

اللغة العربية ووسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي
نظرًا لبروز وسائل التواصل الاجتماعي بشكل لافت وتحولها إلى منصات تستقطب آراء وأفكارًا متعددة وأفرادًا من ثقافات متباينة ولغات ولهجات مختلفة، كان لا بد أن يطول تأثيرها بشكل مباشر أو غير مباشر على فصاحة اللغة العربية.

وحول هذه العلاقة والتأثير ذكر الدكتور محمد بن خميس بن جميل القطيطي – رئيس قسم اللغة العربية في مدرسة شلتنهام مسقط – أن الازدواجية اللغوية تنتشر في معظم لغات العالم، إذ يوجد أكثر من مستوى لغوي للغة ذاتها، والعربية ليست بمعزل عن ذلك، مشيرًا إلى امتزاج العربية الفصيحة بالعاميات في مواقع عديدة ومنها مواقع التواصل الاجتماعي، وأوضح أن ثقافة كتّاب مواقع التواصل الاجتماعي ومتابعيها تؤثر على المستويات اللغوية المستعملة، فتنتعش اللغة الفصيحة في أوساط كتابات المثقفين من الأدباء والعلماء، بينما تشيع العاميات في أوساط عوام الناس، وهو الأمر ذاته الذي نرى انعكاسه في مواقف الحياة اليومية، حيث يتعامل المثقفون باللغة الفصيحة بينما تشيع العاميات بين غيرهم.

وأضاف بعدم إمكانية إثبات تأثير مواقع التواصل أو إنكارها على وجه العموم، إذ أنها تعتمد على المستوى الثقافي للكتَّاب والمتابعين. وأوضح أن مواقع التواصل الاجتماعي لا تعدّ سببًا مباشرًا في انتشار العامية؛ لأن هذه الازدواجية اللغوية وجدت في اللغة العربية وغيرها من اللغات منذ سنوات طويلة، ولا ترتبط بظهور مواقع التواصل الاجتماعي التي تعد أداة أو بيئة للنقاش كما كانت المجالس والأندية على سبيل المثال وسطًا للمناقشات منذ القدم تفاوتت فيها المستويات اللغوية.

من جانب آخر، قال الغسيني: إن واقع اللغة العربية في وسائل الإعلام جيد، مع بعض الهنات في قنوات التواصل الاجتماعي. مشيرًا إلى أن وسائل الإعلام ربما لا تستخدم الكثير من الألفاظ اللغوية التي تعكس عظمة اللغة العربية وثرائها؛ ولكن مختصي الإعلام يستعملون لغة سهلة؛ تتناسب ونوعية المتلقي للرسالة الإعلامية، عملا بمقولة (لكل مقام مقال). وأشار إلى أنه حري على الإعلامي أن يستخدم لغة سهلة للمتلقي حتى وإن كانت ألفاظها متداولة أو مكررة وذلك لضمان هدف الرسالة الإعلامية.

اللغة العربية وتدريس العلوم
وحول ارتباط تدريس معظم العلوم باللغة الإنجليزية لا العربية في الدول العربية، قال القطيطي: إن هذه مسألة شغلت شريحة واسعة من اللغويين وطرحت فيها نقاشات متعددة. وأشار إلى أن هذا الأمر يمكن النظر إليه من زاوية أخرى؛ إذ أنه يرتبط بالبيئات والحضارات التي تضع تلك العلوم والمخترعات وتعمل على تطويرها، حيث يظهر أي جديد في هذا المجال بلغة تلك الحضارات. ومن جانب آخر، قال: قد لا يتسنى وجود جهاز ترجمة وتعريب يمكنه مواكبة الكمِّ الضخم من الإنتاج العلمي الذي يظهر كل يوم، كما أن المشتغلين بتلك العلوم من أطباء ومهندسين وغيرهم لا يمكنهم التوقف عن تعميق معارفهم وصقل مهاراتهم التي تتجدد كل يوم وهم بانتظار من يترجم لهم. وأشار إلى أن العرب عندما كانوا رواد حضارة يطورون العلوم ويضعون الاختراعات فرضوا لغتهم، فاستعملوها في التأليف العلمي في مختلف العلوم، مضيفا: إن اللغة التي تستخدم في تدريس العلوم الآن ما هي إلا نتيجة منطقية لتأخر أصحاب اللغة عن مواكبة التطور العلمي وولوج باب المنافسة فيه.

وتقول الكندية في تأثير إلحاق الأطفال منذ الصغر بالمدارس الأجنبية: إن الطفل الصغير إذا تربى في منزله على لغته الأم، ويتحدثها بإتقان فلا بأس من أن يتعلم لغة أخرى إلى جانب لغته الأم، فالطفل لديه مركز لغات قادر على استيعاب أكثر من لغة، المهم هو وعي الأسرة بالأولويات، فالأولى للطفل العربي تعلم لغته الأم أولا، ثم اللغة الأخرى. فيما أشارت إلى مسألة التحدث مع الطفل بلغة أجنبية ومن ثم إلحاقه بمدرسة أجنبية يخلق طفلا مشتتا ذهنيا بين لغتين، ويؤدي إلى مشاكل كثيرة سيعاني منها الطفل لاحقا، ويعاني معه معلموه كذلك.

كما لجأ البعض إلى جعل اللغة الإنجليزية مطلبًا أساسيًا لديهم يفوق ضرورة العربية في بعض الأحيان، حيث أشارت العوفية إلى أن ذلك قد يتعدى تأثيره أحيانا حدود اللغة بل يصل إلى ثقافة المتعلم، حيث إن تعلم اللغة وإتقانها لا يكتمل إلا بتعلم ثقافة البلد المتحدث بها، وكثيرا ما نرى الآن أن بعض الدول الفقيرة التي تم القضاء على لغاتها وثقافاتها يتحولون إلى مستعمرات ثقافية تتبع الدول الاستعمارية التي تفرض لغتها وثقافتها على الدول المستعمرة.

اللغة العربية في الخارج
تشير فاطمة آل صالح -خريجة جامعة University of Kentucky– في الولايات المتحدة الأمريكية إلى أنه من خلال تجربتها ومقابلتها للناس في الولايات المتحدة الأمريكية، فإن القليل منهم يلقي بالا للعربية حين يدفعهم فضولهم للسؤال عن ترجمة بعض الكلمات من الإنجليزية للعربية مثل (شكرًا، كيف الحال، مرحبًا) وذلك بدافع التواصل والتعرف على ثقافتنا. إلى جانب المسلمين الذين نشأوا في الولايات المتحدة منذ صغرهم ولا يجيدون اللغة العربية ويودون تعلمها لكي يتمكنوا من قراءة القرآن الكريم وفهم تفسيره وغيرها من الأمور.

وأضافت: من الطبيعي أن هناك بعض الطلاب الذين يُلاحظ فيهم التغير في تعاملهم مع اللغة العربية وذلك لمخالطتهم بمتحدثي اللغة الإنجليزية كثيرًا وممارستهم الدائمة لها. ويبدؤون تدريجيًا بإهمال اللغة العربية. فعلى سبيل المثال عندما يتحدثون، فإن الكلمات الإنجليزية تأتي في عقولهم قبل العربية لذلك يستخدمونها بدلًا من الكلمات العربية.

وأوضحت أن ذلك ليس سببًا مقنعًا فالإنسان قادر على أن يوازن بين اللغتين خصوصًا أن اللغة العربية تُمارس مع بعض الأصدقاء والأهل، حتى وإن كان في مرحلة دراسية معينة ينصب تركيزه فيها أكثر على اللغة الإنجليزية لأنها لغة الدراسة والتواصل ولكن هذا لا يعني نسيان اللغة العربية أو إهمالها بشكل دائم.
https://www.omandaily.om/ثقافة/na/أكاديميون-اللغة-العربية-ليست-صعبة-التعلم-ونحتاج-لتطويرها-تكنولوجيا