أضاميم.. عن الموت حرقا بالتنور والسِّجن داخل «المطمرة»

محمد بن سليمان الحضرمي
هل يكون امرئ القيس قد أبصر من بعيد نار التنور، حين وصف تماوج ألسنتها بين الخيام، بدار حبيبته التي يُكرم أهلها الضيف، في بيته الشعري الشهير: (تنوَّرْتُها من أذرعاتِ وأهلُها .. بيثربَ أدنى دارِها نَظرٌ عالي)، هل يكون هذا البيت هو أول وصف شعري بمبالغة مفرطة، لتنور القبيلة في عصر الشعر الأول (وأصل التنور: النظر إلى النار من بعيد)، لربما ذلك.

وحتى لا أعطي صورة بشعة عن التنور، فهذه الإضمامة تتناول التنور والمطمرة، باعتبارهما من الماضي، ولا علاقة له بالحاضر، أما التنور فنحن أبناء القرى نحمل له الكثير من الذكريات البهيجة، تنور العيد وليلة دفان التنور، وليلة «محاشاة الشواء» بحس عذب من المُراودات، يبوح بها الرِّجال، وتسر بها النساء حياءً، وينادي البعض على سبيل التفكه: (شواكم نيء، وشوانا نضيج)، وحتى هذا التفكُّه ينقلب حقيقة في بعض الأحيان، ما لم يكن التنور محشواً بالحطب، ومن منا لم يتحلَّق أمام فوهة تنور، ورأى رمي «الخَصَف»، لفائف سعفية يوضع فيها اللحم، ولحظة نبشه في اليوم التالي، مشاركا أهل قريته في فرحهم الاجتماعي.

ولكن التاريخ الإنساني يقول: إن نار التنور ليست دائماً رمزاً للكرم، كالنار التي تنوَّرها امرئ القيس، وإنما تكون وسيلة من وسائل التعذيب، وظهر التنور في الأدبيات العربية، بصورة تورث في النفس الرعب، لأنه كان أحد أوحش وأخطر وأوضع وسائل التعذيب، ظهرت قسوة استخدامه كوسيلة من وسائل التعذيب، مع بعض وزراء الدولة العبَّاسية، فإذا غضب الوزير، فإن التنور يوقد للمغضوب عليه، فيُرمى فيه ويعذَّب عذاباً ما بعده حتى الموت، وهنا مثالان يشتركان في التعذيب بالتنور، أولهما: عبدالله بن المقفع، صاحب كتاب «كليلة ودمنة» وغيرها من المؤلفات، الباقي منها والمفقود، تقول كتب التاريخ: إن هذا الكاتب والمترجم، واجه عِداءً من المهلبي وزير أبي جعفر المنصور، وكان ابن المقفع يتمادى في السخرية به كلما لاقاه، حتى وقع في تهمة الزندقة، فقطعت أعضاؤه، وأحرقت بنار التنور.

ولم يكن الزيات وزير المعتصم والواثق، بأقل قسوة من سابقه، فهو أيضاً اشتهر بالتعذيب بالحرق بالتنور، والمعروف عن ابن الزيات أنه شاعر وأديب، وقد أهداه الجاحظ كتاب «الحيوان»، حتى كانت نهايته على يد الخليفة المتوكل، فأمر بإدخاله في ذات التنور، الذي كان يقتل به خصومه، تحدث عن ذلك عبدالسلام هارون في تحقيقه لكتاب الحيوان للجاحظ.

وأما المطامر، فقد عرف التاريخ العماني في العصور الماضية، الحبس داخل «المطمرة»، وهي سجن أشبه بحفرة، تنعدم فيها الرؤية والهواء، إلا ما يتسلل عبر فوهة المطمرة، ويتم إنزال الطعام بواسطة حبل يتدلى إلى المطمرة، ويبقى السجين في عزلة عن الحياة، وما تزال نماذج من تلك المطامر باقية داخل القلاع والحصون والقلاع العمانية، من بينها قلعة نزوى الشهيرة بثلاثة مطامر عميقة الغور، يصل عمق الواحدة منها إلى خمسة أمتار، صممت في سطح القلعة العلوي، وحين وقفت على فوهات هذه المطامر، رحت أتصور أولئك المساجين الذين قادهم حظهم السيئ للبقاء فيها، وسط ظلام دامس ووحشة وخوف من المجهول القادم، سجن معزول عن النور والهواء، إلا بقدر ما يبقيهم أحياء، بلا شك هي سجون انفرادية تشبه التنور، غير أنها لا تُسْرَج بالنار، ومع ذلك يشعر السجين وكأنه داخل لحد كبير.

وفي جانب آخر من حصن نزوى المجاور للقلعة المستديرة، صورة أخرى من صور السجون في قديم الزمان، ورأيت فيه أشكالاً من القيود والأصفاد معلقة في جداره، وكأنها من سماكتها وغلظها وثقلها أصفاداً للوحوش وليست للبشر، مقدِّماً صورة نمطية، وهي أن المجرم في حقيقته وحش، وأثناء تأملي لتلك القيود، استفاقت في ذهني صورة ما تزال تسكن بالي لأحد المقيدين، رأيته وأنا صغير مقيداً بالحديد، ولا أعلم سبب تقييده، لعله كان مجنونا، فقيدت قدماه لعرقلة حركته، حتى لا يؤذي الناس في نوبة من نوبات الغضب التي تنتابه.

وفي إحدى الزيارات لقلعة الحزم بالرستاق، أوعز لي مرشد القلعة أن أدخل الجناح الذي استخدم سجنا، للبقاء فيه لدقيقة، وهو سجن أشبه ببيت الأشباح، مزود بتأثيرات صوتية مرعبة، وأشكال مجسَّمة لمساجين، كانوا يقبعون في هذا السجن قبل قرون، في هيئات مخيفة ومحزنة، ومن سحنات وجوههم يبدو عليهم العذاب الأليم.

وما أكثر الذين قضوا حياتهم في السجون خلال العصور الماضية، وفيهم الشعراء والأدباء، والقضاة، وأهل العلم، فكان السجن صفحة سوداء مقيتة في التاريخ الإسلامي، وأتساءل مع نفسي: أين غابت الرحمة من القلوب، ولماذا كل هذا العنف البشري في التعذيب.

التنور مرعب بلا شك، وتاريخ التعذيب بالتنور وناره المسجورة، تمتد إلى أعماق التاريخ، المليء قعره بضحايا ومظلومين، والطغاة في كل الأزمة والأمكنة يستلهمون الجحيم بخيالهم العنيف، ويأتي التنور صوراً من صور التعذيب بالجحيم، تعذيب الإنسان لأخيه الإنسان، حين يستبد به، ويغلظ عليه بالعنف، ويمحي الرحمة من قلبه، ويتلذذ بفعلته السادية تلك.

والبحث عن الشعراء المساجين، عرفني بالشاعر سليمان بن بلعرب بن عامر السليماني، عاش في القرن الثامن عشر الميلادي، تعرَّض في حياته للسجن، وكتب فيه قصائد كثيرة، نظم فيها الحشرجات والغصص التي نفثتها نفسه المكلومة وهو في ظلمات السجن، نافذة من نوافذ الجحيم، والحياة فيها شكل من أشكال الشقاء، ذكر هذا الباحث ناصر السعدي في بحث حول «السجن والسُّجناء في عمان»، قرأت عنه ملخصاً وعرضاً، ذكر فيه هذا الشاعر الذي له ديوان بعنوان «أشعار الأحزان من زنزانة السجان»، ولعل هذا الديوان ضمن المفقودات الشعرية التي لم تصل، أو بقيت منه نصوص قليلة، كما يحفل ديوان الشاعر راشد بن خميس الحبسي بقصائد كثيرة للسليماني، وكان بينهما مراسلات شعرية.

قالي أحدهم: رأيت الشيخ الفلاني يرفس في أغلال القيود، حتى اعتادت قدماه على القيد، وكلما حاولوا فك القيد منه، تتورَّم قدماه، وبقي الشيخ مقيداً سنوات من عمره، حتى مات.

وقال أحدهم: إنه ما من سجين إلا ويُقيَّد، حتى لا يهرب من السجن، القيد طريقة تضمن عدم فرار السَّجين، وحتى التفكير في الهرب، بسبب ثقل الحديد، والآلام التي يعانيها منه وهو مقيَّد، فكيف إذا بقي مسجوناً في مطمرة أشبه بالتنور؟!

وقال غيره: إن الشيخ الفلاني دفن حيا في السجن، وقيل قتل برصاصة بحجم ثمرة النبق.

وللتاريخ لسانه الذي ينطق به، لا أحد يتكلم بالإنابة عنه، لا الكتَّاب، ولا المؤرخون، فقط أصخ السمع وأصغ لحديث التاريخ، المنبعث من تلك الشوامخ الأثرية، واقترب قليلاً من تلك المطامر، ستسمع صدى الحكاية بالتفصيل، الحكاية التي حفظتها ذاكرة الجدران، ولم تحفظها الكتب والمؤلفات.

ومن المفارقات يا قارئي الكريم، أنني أثناء كتابة هذه الإضمامة، لمحت في مكتبتي نسخة من رواية «التنور» للكاتب البحريني الراحل فريد رمضان، وكأنها تقول لي: حررني يا مالكي، أنا القابعة في مكتبتك منذ التسعينات، حررني من زحام الكتب المحتشدة، بأوراقها الثقيلة المثقلة بالحبر والغبار!.
https://www.omandaily.om/ثقافة/na/أضاميم-عن-الموت-حرقا-بالتنور-والسجن-داخل-المطمرة