صادق جواد.. والملتقى الفلسفي الأول بعمان

خميس العدوي
10 أبريل 2022م.. جرى التواصل معي من «بيت الزبير»؛ وهو إحدى المؤسسات الثقافية الرائدة في سلطنة عمان، وممن يسهم في التحولات الفكرية فيها، للأنشطة النوعية التي يقدمها. لقد طُلِب مني أن أكتب كلمة مختصرة عن الراحل صادق جواد سليمان، لتضمينها دليلَ التعريف بـ«جائزة صادق جواد للدراسات الفكرية»، والتي أعلن عنها ضمن فعاليات «ملتقى بيت الزبير الفلسفي الأول». لم أتردد في الاستجابة لمطلبهم الكريم، أداءً للواجب نحوهم ونحو المجتمع العماني، ولأجل حق هذا الرجل علينا في تقديم رؤية فكرية عن الوجود لم تُؤْلَف من عماني قبله، وللعلاقة العلمية التي تربطني به، حيث كنا آخر عشر سنوات من حياته على تواصل؛ وإن كان متقطعاً، إلا أنه ممتع بالنقاش عن التصوف والدين والأخلاق وتأملات الحياة.

ولأن الجائزة ارتبطت بملتقى للفلسفة؛ فكانت كلمتي عنه مشيرة إلى دوره الفلسفي، فعنونتها بـ«صادق جواد يشق طريقاً للفلسفة»، وقلت: (يتراءى لي صادق جواد وهو يتحاور مع مريديه ويجيبهم على أسئلتهم؛ سقراط الفيلسوف اليوناني وهو يحاور أبناء عصره، لم يكتب سقراط محاوراته، وإنما دوّنها من بعده تلميذه أفلاطون، وهو الحال كذلك عند صادق جواد، لم يدوّن من أطروحاته إلا اليسير، وقد انبرى لتدوينها بدر العبري. لا يسع في هذا المقام أن أتحدث عن المفكرَين، ولا حجم ما تركاه، أو نوع ما فكرا فيه، وإنما أشير إلى أن حركة مشابهة حصلت على يد صادق جواد، بعد انقطاع عن التفكير الفلسفي في بلدنا، وما قام به يبشر بمشروع فلسفي في طريقه للتشكّل، وهذا من إرهاصات تبلور فكر جديد لدينا).

صادق جواد.. ممن شق الطريق أمام الدرس الفلسفي الذي نرى اليوم أولى الاهتمامات به عبر إقامة هذا الملتقى، الذي انعقد في المدة: 15-18 مايو 2022م، والذي أراد له منظموه توصيل رسالة إلى الحقل الأكاديمي، عبر رعاية صاحب السمو الدكتور فهد بن الجلندى آل سعيد رئيس جامعة السلطان قابوس له، رسالة تبتغي من هذا الصرح العلمي الشامخ؛ أن يعيد النظر في الاهتمام بالفلسفة، بإعادة فتح قسمها للجيل القادم.

الملتقى.. غني بأوراقه الفلسفية، وكبير بأقلام مقدميها من السلطنة وخارجها، استمر أربعة أيام متوالية، أشعل جذوة الفكر؛ التي أرجو أن يمتد توهجها، حتى تتقد منه مشاعل التفكير الحر. ومنذ انطلاقته الأولى ركّز على تبسيط الدرس الفلسفي، وتمرين الناشئة عليه، حيث اشتملت برامجه على حلقة عمل (لتنمية الوعي النقدي والتفكير العلمي الفلسفي لدى الأطفال والناشئة والقائمين على مؤسسات التنشئة والتعليم). وقريباً من هذا كان مسلك صادق جواد في آخر حياته، حيث التف حوله مجموعة من ناشئة الفكر والمتطلعين لفهم الحياة من حولهم. الملتقى.. يحتاج إلى مقال بنفسه، أرجو أن أكتبه في الأيام القادمة. إلا أن الواجب يلزمني التأكيد على أهمية الاهتمام بإرث صادق جواد، بوصفه قامة فكرية تركت أثرها في عدد من الشباب العماني الطامح إلى تجديد فكره، وفق رؤى تحل شيئاً من التباسات العصر؛ النفسية والفكرية والدينية. ولكي أحفظ شيئاً من رد الواجب له وهو في رحلة الغيب، ونحن ننتظر قافلتها، أثبت هنا ما كتبته عقب وفاته بعنوان «الحكيم العماني.. الذي مزّق الحجب بهدوئه»، والذي نشرتْه صحيفة «الرؤية» مشكورة بتاريخ: 28 يوليو 2021م، بغية أن أصدر سلسلة مقالاتي التي تنشرها جريدة «عمان» في كتاب، يكون صادق حاضراً فيها.

(قبل أكثر من عقد من الزمن.. حينها كانت فكرة المراجعة الفكرية تلهب دماغي، وتعتلج بين جوانحي، وتضغط على القلب أكثر من تشظيها في العقل، وكأن النفس ترتقب انفجاراً غير معلوم الموقع ولا المتجه، كان ذلك قبيل انفجار الربيع العربي، حينها لم يكن في الحسبان أنني أعيش حالة كلية تلخص الاجتماع العربي، وليست معاناة معرفية تجول باحثة عن الذات بصفة فردية فحسب، وقد انفجر الربيع شعاعاً ملتهباً في أفلاك المعاناة العربية؛ من سحق للبشر إلى تدمير للأوطان، ومن ركوب على دابة السياسة إلى استغلال لقدسية الدين. في حين.. اتجهت نفسي إلى البحث عن «الحقيقة»، بدايةً.. من خلال ثورة الفكرة، وانتهاءً.. بسكون النفس في مستقر حكمة الصلة بالله وقوت الأخلاق.

تلقيت اتصالاً من الصديق صفي النفس سعيد بن سلطان الهاشمي في رمضان ذلك العام، يدعوني فيه للإفطار، فلبيت الدعوة بدون تردد، التقينا في شقته الصغيرة التي يسكنها بالإيجار في الخوير، كان المدعوون عدد أصابع اليد الواحدة، وكان اللقاء حميمياً يغزو مستجمع القلب أكثر مما يفتح مناطق العقل، فالكلمة.. تخرج بدفقة محمّلة بفيض المودة والمحبة للإنسان والدين والمجتمع والوطن. حمل اللقاء خيطاً ربطني برؤية جديدة للحياة؛ لا تنطلق كالعادة من المعرفة، بل تستلهم من العرفان، العرفان.. الذي سيتطور لديّ باتجاه متحرر من قبضة التصوف؛ الذي أصبح سجناً هو الآخر للنفس، بعدما كان يراد منه أن يحررها. خيط.. رغم دقته قويٌ لدرجة لم تنفصم عروته حتى طواه الرحيل عن عالمنا، كان ذلك هو صادق جواد، وكان اللقاء الأول به.

من بعد.. عرفت أن الكثيرين ممن تابعه وتكلم معه وحاوره؛ كان يبحث لديه عن المعرفة وتطور الفكرة، وفي تأثيرهما على المجتمع، وربما يبحث عن مخرج من الركود السياسي أو الشك الديني أو الخلل الاجتماعي، أو منها جميعاً. كل ذلك بنظري؛ بحث عن الخارج في ذات الآخر، وكنت أطمح للتبصر في ذاتي.

كانت نظرتي إليه، أو ما تأثرت به منه، هو «البُعد الصوفي» للفكرة؛ التي تمتح أصولها من الأخلاق لا من المعلومة. كل لقاءاتي معه تفتش عن موقع الروح الكامن في الإنسان، فكنت أزوره مع بعض الأصدقاء في بيته في منطقة الموج، قبل أن ينتقل منه، فشكّل القرب المكاني قرباً نفسياً، حيث كنت حينها أسكن في الغبرة، وكان اللقاء يطول بالساعات، فعندما أفتح معه قضية للحوار، يستمر في الحديث عنها كأن لا نهاية لها في ذهنه، لم يكن يستحضر الشواهد المعرفية إلا بالقدر الذي يسعفه لتوضيح ما يحتاج لبيانه، وإنما كان يشرّح الفكرة ليقف على لبّها الإنساني؛ لقد آمن بالإنسان قبل أن يؤمن بعلاقات البشر، وآمن بالأخلاق قبل أن يؤمن بنظرياتها، وآمن بجوهر الدين قبل أن يؤمن بنصوصه.

كنت في حديثي معه بدايةً أبحث عن سواحل تأويل الكلمة؛ فأجدني معه في لب المعنى المتخفف من حمولات التأويل، رغم أنه يعبر بك إلى المنطقة الجوانية للنفس باستعراض بعض أشرعة المعرفة ومجاديف التأويل، لكنه يتركك في العمق مجرداً منها، تصارع أمواج تدفق المعاني الذاتية للفكرة.

وقبيل بلوغ سدرة المنتهى.. ظننت أن ذلك السمت العرفاني قد رضخ بنفس أستاذنا الحكيم صادق للسكون، وأن الحياة نزلت عليه بكلكلها فاستقرت رواكده، بيد أن في زيارته لي في بيتي ببَهلا أيام عيد الفطر عام 1442هـ/2021م؛ وجدته لا يزال يعبر بمركبته الفضاء الوجودي للإنسان، وأن الشحنة العرفانية التي استصحبها معه في رحلته الطويلة التي أوهنت جسده لم تمس روحه بأذى، فلا زال روحه يعرج في سماء الحقيقة؛ الحقيقة.. التي قد لا تقنع باليقين، لكن لا يزعزعها الشك.

هذه المرة.. هو من ابتدرني بالسؤال قائلاً: هل لا زلت على أصلك في مفهوم التصوف؟ فقلت: إن هناك اتصالاً مباشراً بين الإنسان وخالقه عبر الروح الذي نفخه الله فيه، وهو يتجاوز ظواهر النصوص الدينية، ولا يتعلق بالفلسفات التنظيرية. فقال: هكذا أنت تمزّق الحجب التي تحول بينك وبين الحقيقة، ولا بد من الوصول إليها. لم يكن يعلم -وربما يعلم- أنه هو مَن أعطاني أحد مشارط هذا التمزيق، المشرط الأكثر هدوءاً وحكمة، لا يجرح النفس، وإنما يوسّع مجاري الروح.

وفي لقائنا الأخير به لوداعه قبيل سفره إلى الهند للعلاج، والذي لم يعد منه جسده إلينا، أبقى روحه بين جوانحنا، الروح.. الذي يصل إلى الحقيقة عبر فسيح درب الأخلاق، فلا إنسانية معترف بها لدى صادق جواد ما لم تخترق حجب المعرفة الكثيفة، ولن تصل هذه الإنسانية إلى صوابها في التعامل الاجتماعي ما لم تهذّب ذاتها بالأخلاق. فلتسكن روحك العارفة بالحقيقة، العازفة عن الطريقة، في مستقر الرحمة الإلهية؛ أيها الحكيم العماني).

ختاما.. كل الشكر للقائمين على «بيت الزبير» على هذا العطاء الفكري الممدود غير مجذوذ.
https://www.omandaily.om/ثقافة/na/صادق-جواد-والملتقى-الفلسفي-الأول-بعمان