إشارات حول مكتبات عمان وكتبها

أحمد بن عبدالله الفلاحي
في ظل التطور التكنولوجي المذهل يرى أناس تراجع الاهتمام بالكتاب الورقي وعدم قدرته على منافسة الكتاب الإلكتروني ويجادلون أن معظم قارئي العصر ما عادوا ينصرفوا لكتاب مطبوع على الورق بقدر اهتمامهم بالكتاب الموجود في أجهزتهم يتصفحونه ويقرأونه ويستأجرونه حتى إن رغبوا بثمن يسير أو دفع قيمته الأقل كلفة إن راق لهم وهؤلاء القائلون بذلك يتنبأون باختفاء الكتاب الورقي وزواله نهائيا من عالم الناس على المدى القادم طال أو قَصُر ولست من هؤلاء بالتأكيد ليس فقط بسبب أميتي الإلكترونية ولكن لكثير من المعطيات أراها أمامي تنقض مثل هذه التصوّرات ليس في الساحة العربية فحسب ولكن في العالم الأكثر تطوّرا، حيث منبت التكنولوجيا ومكان ازدهارها، وفي كل عام تختتم معارض الكتب في اليابان وأمريكا وأوروبا وغيرها بمبيعات فلكية وكم جاءتنا وكالات الأنباء بخبر كتاب وصل عدد نسخ طبعته الأولى إلى المليون وتردف الطبعة الأولى ثانية وثالثة وتتنافس دُور النشر الكبرى للظفر بنشر ذلك الكتاب مقابل المال الكثير، ويكون الكتاب أحيانا رواية مثيرة لكاتب بارز أو كتاب في علم من العلوم أو مذكرات لأحد الزعماء السياسيين. وتتبارى مؤسسات طباعة الكتب في شتى أمم العالم لتدفع مئات الألوف لنيل الموافقة على ترجمته إلى لغة هذه الأمة أو تلك.

ثم أنه بعد ذلك هذه المكتبات الضخمة المشتملة ملايين الكتب في مدن العالم الكبرى هل سيتوقف من الغداة زوارها الكثر عن التوافد عليها وتمسي مغلقة أبوابها للأبد لانتفاء الحاجة لها؟! لا أتصوّر ذلك، ولماذا نذهب إلى العالم البعيد وهذه معارض الكتب العربية نراها أمامنا كل شهر في إحدى عواصمنا ويتسابق كبار الناشرين للمشاركة فيها، وطوال أيام فترتها نرى الألوف من محبي الكتب يتبادرون نحوها ويخرجون منها بالكم الوافر من الكتب المتنوعة وأغلبها حديث الطباعة، وفي كل عام يلحظ زائرها العديد من دُور النشر الجديدة التي ظهرت ولم تكن موجودة من قبل في بيروت والقاهرة ودمشق والرباط وتونس وبغداد وغيرها. وهذه علامات دالة كلها أن الكتاب ما زال له ألوف العشاق من جمهوره ومتابعيه.

ولا أريد هنا الاستطراد في هذا المجال وهو مجال يطول القول فيه وإنما أردت من كلماتي هذه مدخلا للحديث عن المكتبات العمانية قديمها البعيد وحديثها المعاصر ومساهمة أهل عمان في صنع الكتاب ونشره واقتنائه والاحتفاء به شأنهم في ذلك شأن إخوتهم العرب وشأن أمم العالم الأخرى الدانية والقاصية.

وقد كانت عناية أبناء عمان بالكتب ملحوظة منذ أقدم العصور حتى لقد قيل إن كتاب «ديوان الإمام جابر بن زيد الأزدي» كان من أقدم المؤلفات العربية إن لم يكن أقدمها مطلقا فهو من مصنفات القرن الأول الهجري وقد وُصف بأنه ضخم كبير الحجم وهو الآن من الكتب المفقودة، وذكروا أن أصله كان موجودا بخزانة الكتب العامة في بغداد التي دمّرها التتار وقد نسخه أحد علماء المغرب قبل كارثة التتار بعد أن مكث في بغداد لفترة طويلة من أجل ذلك وحمل تلك النسخة معه عند تمام تدوينها ولم يتمكن أحد من العثور عليها ويبدو أنها ضاعت كذلك واختفى أمرها في طيّات الزمن.

وتوالى منذ ذلك الوقت المبكر تأليف علماء عُمان للكتب وأغلبها في الفقه ومنها في علوم اللغة العربية وفي الفلك والطب والتاريخ وغير ذلك، ولئن فُقد الكثير من تلك الكتب لأسباب كثيرة فإن الموجود منها يؤشر على الجهود المبذولة في هذا السبيل، ومن بين الكتب العمانية المتبقية من الحقب القديمة كتاب «الجامع الصحيح» للإمام المحدث الربيع بن حبيب الأزدي وهو من كتب القرن الثاني الهجري وكتب أخرى تنتسب للقرون الهجرية الأولى ما زال بعضها موجودا وتتوفر منه أكثر من نسخة ولعل من بين الكتب العمانية الأشهر كتاب «بيان الشرع» الذي يعد موسوعة فقهية كبرى في سبعين مجلدا وهو من تأليف العلامة الشيخ محمد بن إبراهيم الكندي النزوي وقد ألّفه في النصف الثاني من القرن الخامس الهجري، وقبله كتاب «جامع ابن جعفر» المتكوّن من ثلاثة أجزاء وقد طُبِع الآن محققا وصاحبه من كبار علماء القرن الثالث الهجري، وكذلك «جامع أبو الحواري» وهو أيضا من علماء القرن الثالث الهجري والكتاب يتألف من خمسة مجلدات، وجامع أبو سعيد المسمى «الجامع المفيد» وهو من أربعة أجزاء ومؤلفه من علماء القرن الرابع الهجري، وكتاب «الضياء» للعلامة سلمة بن مسلم العوتبي من علماء القرن الخامس الهجري أخرجته وزارة الأوقاف والشؤون الدينية محققا أنيق الطباعة في ثلاثة وعشرين مجلدا، ومن كتب هذا العالم أيضا كتاب «الأنساب» الشهير جدا في التاريخ والنسب وقد قامت وزارة التراث والثقافة (سابقا) بطباعته في مجلدين قبل سنوات ثم أُعيد طبعه بعد تحقيقه في أربعة مجلدات وظهرت منه طبعة محققة أخرى في بيروت غير الطبعة العمانية، وللعلامة العوتبي كذلك كتاب «الإبانة» في اللغة طبعته وزارة التراث والثقافة (سابقا) محققا طبعة فاخرة في أربعة مجلدات ضخمة.

وهذه الكتب إنما نذكرها كأمثلة للتأليف العماني الذي بدأ في القرن الأول الهجري وظل متواصلا من غير انقطاع قرنا بعد آخر حتى لحظتنا هذه في شتى وجوه المعرفة ومن الصعب الإلمام بكل تلك الكتب المتواتر ظهورها على مر القرون، حيث لا يكاد قرن يخلو من خمسة أو ستة علماء من أهل التأليف لا تزال بعض مؤلفاتهم باقية ومنها الذي فُقد ولا يُعرف منه سوى عنوانه أو شيء من النقولات التي أُخذت منه.

ومؤلفو الكتب من العمانيين كثرة كاثرة ومنهم من ينتمي لأسرة واحدة يتوارثون العلم أبا عن جد لمدة ثلاثة قرون أو أكثر كمثل آل مداد وغيرهم، ومن بين أشهر العلماء المؤلفين العلامة ابن بركة والشيخ أبو الحسن البسيوي والشيخ خميس بن سعيد الشقصي صاحب «منهاج الطالبين» الذي زادت مجلداته على الثلاثين وتولت نشره «مكتبة مسقط»، ومن المتأخرين العلامة جميل بن خميس السعدي مؤلف كتاب «قاموس الشريعة» الذي يعد أكبر كتاب عُرف عند العمانيين وقد صدر عن «مكتبة الجيل الواعد» مع الفهارس في واحد وتسعين مجلدا، والعلامة الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي وله العديد من المؤلفات معظمها أصبح اليوم مطبوعا وشيخه العلامة جاعد بن خميس الخروصي، وبعدهم الإمام نور الدين السالمي الذي أثرى المكتبة العمانية بمؤلفاته في علم الحديث والفقه واللغة والتاريخ والنحو وأصول الدين وغير ذلك من فروع العلم.

وقد لقيت هذه المؤلفات التي مر ذكرها عناية فائقة وتكرر نسخها على توالي القرون، مما يؤكد اهتمام العمانيين بالكتاب واجتهادهم في الاعتناء به والمحافظة عليه. وقد تسرّبت الكثير من مخطوطات عمان إلى خارجها حتى لا تكاد توجد مكتبة عالمية كبرى في عواصم الدنيا ومنها العواصم العربية لا توجد بها نسخة أو أكثر من المخطوطات العمانية، وقد استطاعت وزارة التراث والسياحة وهيئة الوثائق والمحفوظات الحصول على صور من بعض تلك المخطوطات المغتربة وهما لا تزالان تواصلان مساعيهما للوصول إلى الكثير الباقي المتوزع في شتى أنحاء العالم. ونحن هنا فقط نعطي إشارات وأمثلة عن المؤلفات العمانية التي وصلت إلينا والتي أنبأتنا عن اهتمام أسلافنا بالكتب وقد وجدت شروحا واختصارات وتعليقات على تلك الكتب منها الموجز ومنها الأكثر اتساعا.

وسطورنا هذه ليست مكرّسة في الأساس لتناول المؤلفات والمؤلفين من أهل عمان قدر توجهها لإلقاء الضوء على خزانات الكتب كما كانت تسمى والتي نُطلق عليها اليوم اسم المكتبات، وأقدم مكتبة حفظت لنا المصادر ذكرها هي مكتبة «آل الرحيل» في صحار ويعود تأسيسها للإمام محمد بن محبوب بن الرحيل الصحاري تلميذ الإمام المحدث الربيع بن حبيب في القرن الثاني الهجري، ويبدو أن هذه المكتبة قد تنامت وكبُرت مع أبناء ذلك الإمام وأحفاده جيلا بعد جيل، وهذه الأسرة خرج منها العديد من العلماء على مدى القرون، ويُقال إن هذه المكتبة وصلت ذروتها على عهد الإمام سعيد بن عبدالله بن محمد بن محبوب أحد حكام عمان وهو من أئمة القرن الرابع الهجري الذي وصفت مكتبته المتوارثة من آبائه وأجداده بأنها كبيرة ضمّت الألوف من الكتب، ومن المكتبات القديمة مكتبة السلطان فلاح بن محسن النبهاني في القرن السادس الهجري التي يبدو أنها آلت إلى السلطان سليمان بن سليمان بن مظفر النبهاني الشاعر المعروف فزاد فيها العديد من العناوين وصارت من المكتبات المذكورة، ومن المكتبات القديمة أيضا مكتبة المشايخ آل مداد في نزوى وهي مكتبة توارثها أفراد هذه الأسرة العلمية يأخذها الخلف من السلف ويضيف إليها، وقد تولى عديد من أفراد هذه الأسرة مناصب رئاسة القضاء والإفتاء وكانوا ينصبون الأئمة ويوجهونهم ويعملون لهم كوزراء ومستشارين يخلف الابن والده ويخلفه ابنه لفترة امتدت إلى قرنين أو أكثر، ومن المكتبات التي يُشار إليها في تلك الأزمنة البعيدة مكتبة أولاد «بالروح» في نزوى وليس لدينا أي معلومات عنها، وكذلك مكتبة العالم الشيخ بشير بن سعيد بن عبدالله بن أبي سبت في نزوى ويبدو أنها كانت مكتبة ضخمة حوت الكثير من الكتب وقد عبَّر عن قلقه عليها في أواخر عمره بأن لا تجد من يرعاها بعده في أبيات ظريفة:

بكت عيني على كتبي

بدمع واكف سكب

وعيني طالما سهرت

لها بالليل في طرب

وبالإصباح مجتهدا

ببذل النفس في الطلب

تعيش اليوم مهملة

كذي يتم بغير أب

فوا أسفي على من لا

يذوق حلاوة الكتب

دعوت الله يحفظها

ويكلأها من العطب

بوالٍ عالم ثقة

ولي مرتضى أرب

ومن المكتبات المذكورة في القرن الخامس الهجري مكتبة الشيخ ابن النظر، ذلك العالم الذي مات في عز الشباب مقتولا كما يُشاع من قبل السلطان خردلة النبهاني وإن كنت في شيء من الشك بتلك الرواية التي هي أقرب للأسطورة في نظري وقد ورد فيها أن ذلك السلطان غريب الاسم، أمر باقتحام تلك المكتبة وإحراقها بعد قتل صاحبها، ومما ذكر عنها أنها اشتملت على مختلف صنوف العلوم ومن ضمن كتبها المحترقة كما قيل كانت مؤلفات الشيخ نفسه وهي متنوعة بالغة الأهمية كما يظهر من عناوينها ومن أبرزها كتاب «سلك الجمان في تاريخ عمان» روى الشيخ السالمي عن مصادره أنه في مجلدين إضافة إلى كتاب «الوصيد في ذم التقليد» في مجلدين، وكتاب «قرى البصر في جمع المختلف من الأثر» في أربعة مجلدات وكل هذه الكتب لم يبق منها سوى عناوينها.

وهناك أيضا مكتبة الإمام ناصر بن مرشد اليعربي مؤسس دولة اليعاربة وقد خصص الإمام لها أموالا لشراء الكتب وصيانتها والإنفاق على المشرفين عليها ولتأجير الممتهنين لحرفة النسخ لمضاعفة عدد الكتب بها، واقتدى بالإمام ناصر معظم أئمة اليعاربة خاصة الكبار منهم في السعي لجمع الكتب واقتنائها فكان لكل منهم مكتبته الخاصة «خزانته» الإمام سلطان بن سيف الأول وابنه الإمام بلعرب صاحب قصر جبرين وأخوه الإمام سيف -قيد الأرض- وابنه الإمام سلطان بن سيف الثاني، ولا تزال حتى اليوم توجد كتب متناثرة هنا وهناك تعود لمكتبات هؤلاء الأئمة مسجل عليها أنها من كتب خزانة الإمام فلان.

ومن المكتبات القديمة التي تذكر مكتبة الشيخ ابن بركة ومكتبة الشيخ المعاصر له أبو سعيد الكدمي الذي كان معاكسا له في آرائه وكان الأول من محلة «الضرح» في مدينة بهلا والثاني من بلدة «العارض» المنتسبة الآن لولاية الحمراء وكان وقتهما القرن الرابع الهجري.

ومن المكتبات الشهيرة في القرن الهجري الخامس مكتبة العلامة الشيخ محمد بن إبراهيم الكندي صاحب كتاب «بيان الشرع» ومكتبة ابن عمه صاحب كتاب «المصنف» ومكتبة الشيخ عمر بن سعيد بن معد البهلوي وقد عاش بين أواخر القرن التاسع وبدايات القرن العاشر الهجري، وكذلك تذكر المصادر مكتبة المشايخ آل مفرج في بهلا وقد تأسست في القرن الثامن الهجري على أيام الإمام محمد بن سليمان بن أحمد المفرجي ولعل شيئا من بقاياها ما زال حتى اليوم في مكتبة القاضي علي بن ناصر المفرجي، ومن عهد اليعاربة مكتبة العلامة الشيخ خميس بن سعيد الشقصي الذي كان وراء بيعة الإمام ناصر بن مرشد اليعربي والشيخ خميس كما هو معلوم صاحب كتاب «منهج الطالبين» وكذلك مكتبة الشيخ القاضي خلف بن سنان الغافري أحد قضاة الإمام سيف بن سلطان اليعربي -قيد الأرض- التي احتوت أكثر من تسعة آلاف كتاب كما ذكر ذلك صاحبها نفسه حين قال:

لنا كتب في كل فن كأنها

جنان بها من كل ما تشتهي النفس

ثلاث مئين ثم سبعون عدها

وتسعة آلاف لها ثمن بخس

مكتبة بها تسعة آلاف عنوان في وقت لم تخترع فيه الطباعة بعد، ألا يدل ذلك على الهمة العالية وحب المعرفة والسعي لاقتناء الكتب.

ومكتبة حصن الرستاق وقد تحدثوا أنها ضمّت ما يقرب من عشرة آلاف كتاب وقد احترقت هذه المكتبة للأسف خلال الصراع الذي وقع بين حكام اليعاربة في أخريات أيام دولتهم، وفي الرستاق في الأزمنة المتأخرة مكتبة بيت الكتب في حارة «قصرى» وقد أوقف هذا البيت خلفان بن عزيز البيماني وكان البيت يمتلئ بالكتب لطلبة العلم، وفي نزوى كان بيت الوقف المخصص لنسخ الكتب وحفظها به العشرات من المجلدات المهمة العائدة لعصور مختلفة وكلا البيتين تلاشت كتبه وتفرقت بين أيدي الناس، وفي بهلا يشار إلى مكتبة الشيخة العالمة شيخة بنت راشد الوائلية الحاوية للعديد من الكتب وكانت هذه الشيخة غنية ومغرمة باقتناء الكتب، ومن المهتمين بالكتب يشار إلى الشيخ خميس بن بشير بن عبدالله البرواني وهو من بلدة «المنزفة» التابعة لمدينة «السفالة» بولاية إبراء واشتهرت خزانته بنفائس مخطوطاتها التي تشتت من بعده وضاع معظمها ومنها ما كان بخطه الجميل وكان هذا الشيخ أحد ولاة الإمام سلطان بن سيف الأول اليعربي وبيته المسمى «بيت السدور» ما زالت أطلاله باقية في بلدته «المنزفة»، ومن المكتبات المتأخرة يمكن ذكر مكتبة الشيخ جاعد بن خميس الخروصي التي اشتملت على مخطوطات كثيرة في شتى صنوف العلوم وقد وصفها حفيده الشيخ مهنا بن خلفان بأنه لا توجد مكتبة مثلها في زمنها بالقطر العماني كله ولكن هذه المكتبة تعرّضت للأسف للحرق وضاع كثير من كتبها بسبب هجمات طالت منازل الشيخ وممتلكاته وبعض كتبها آلت إلى مكتبة السيد محمد بن أحمد البوسعيدي ومكتبة وزارة التراث والثقافة (سابقا) ومنها في مكتبة حفيده الشيخ مهنا بن خلفان الأديب والمؤرخ والباحث المعروف بمؤلفاته وبحوثه الكثيرة المتنوعة.

وقد ضاعت كثير من المكتبات في عمان بسبب الحروب والنزاعات بين العمانيين أنفسهم أحيانا أو من قبل الغزاة الخارجيين في الأغلب كمثل ما حصل لمكتبة قصر جبرين التي احترقت من أثر قذائف المدافع أثناء حرب بين ساكني القصر وخصومهم ومثلما حصل لمكتبات في نزوى وبهلا أحرقها الفرس أثناء تسلطهم على عمان في عهد الإمام سيف بن سلطان الثاني وقبل ذلك في الزمن البعيد حين غزا عمان القائد العباسي محمد بن نور عام 280 هـ، حيث أتلف هو وجنوده وأحرقوا الكثير من الكتب ضمن ما أتلفوه وخربوه، وفي سنة 675 هـ احترقت مئات من الكتب أثناء هجمة أولاد الريس على نزوى في عهد السلطان كهلان بن عمر النبهاني.

ولئن كان هذا ما وقع من جراء الحروب ونتائجها ومؤثراتها فإن هناك أيضا ما أصاب الكتب من الإهمال ومن الجوائح والسيول وانهدام البيوت وآفة حشرة «الرمة» التي قضت على العدد الكبير من الكتب النادرة والوثائق الثمينة.

ومن مكتبات عمان في العهد المتأخر مكتبة العلامة الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي التي لعل بعض كتبها ما زالت باقية في مكتبة الشيخ عبدالله بن علي الخليلي ومثلها مكتبة الشيخ صالح بن علي الحارثي والتي صارت بيد ابنه الشيخ عيسى ثم انتقلت من بعده لأولاده وربما حفظ شيء من كتبها بمكتبة حفيده الشيخ أحمد بن محمد في بلدة «القابل» بشرق عمان ومكتبة العلامة الشيخ جميل بن خميس السعدي في مدينة «المصنعة» التي لم يعرف مصير كتبها، وكذلك مكتبة جامع «البياضة» في الرستاق وأكثر كتبها من وقف الشيخ راشد بن سيف اللمكي، وعلى منوالها مكتبة السيفيين في نزوى ومن مأثوراتها كتب الشيخ محمد بن خميس السيفي، ومن مكتبات نزوى أيضا مكتبة السليمانيين المحتوية على الكثير من المخطوطات المهمة التي فُقدت وتوزع بعضها بين أحفادهم، وأيضا من المكتبات المذكورة مكتبة العلامة الشيخ سعيد بن أحمد الكندي، ولعل بعضها لم يزل في حوزة أحفاده بمدينة «نخل»، ومن المكتبات الحية البارزة اليوم مكتبة العلامة الشيخ نور الدين السالمي في مدينة «بدية» وتحتوي على كتب كثيرة متنوعة وعدد كتبها خمسة آلاف كتاب بينها من المخطوطات ما يربو على الخمسمائة وبعضها نادر وقديم جدا ومنها ما يعود للقرن الرابع الهجري وهي مفتوحة تستقبل زائريها في مبناها الضخم الأنيق وقد جرى تنظيمها وترتيبها بطريقة حسنة بفضل عناية ابنه الشيخ محمد السالمي «الشيبة» وأبنائه من بعده ومكتبة الشيخ عامر بن خميس المالكي في بدية كذلك ولعل بعض بقاياها لا تزال موجودة لدى أحفاده، ومكتبة الشيخ ناصر بن راشد الخروصي في مدينة «العوابي» وعدد من نفائسها احتوته مكتبة «العوابي» التي أنشئت حديثا باسم الشيخ ناصر ومكتبة الشيخ سالم بن حمد الحارثي في بلدة «المضيرب» بولاية القابل وتحتوي على عديد من الكتب بعضها يعد من النوادر وفيها حوالي مائة وخمسين مخطوطة ومكتبة الشاعر الشيخ أحمد بن عبدالله الحارثي في ذات البلدة وبها كذلك مخطوطات نادرة قيّمة ومطبوعات قديمة نفيسة ومكتبة العلامة الشيخ إبراهيم بن سعيد العبري في مدينة «الحمراء» التي ضمّت ما تبقى منها إلى مكتبة وقف الحمراء ومكتبة بني عوف في حارة الحداد بمدينة بهلا وقد اشترت كتبها وزارة التراث (سابقا)، فهي اليوم ضمن مكتبة الوزارة، ومكتبة «بدية» التي تحتوي عشرات المخطوطات الثمينة ومئات الكتب النادرة المطبوعة منذ عشرات السنين، ومكتبة السيد محمد بن أحمد البوسعيدي الشهيرة جدا في مدينة «السيب» وفيها من نوادر المخطوطات والوثائق والكتب القديمة ما ليس في غيرها وهي مرجع أساسي للدارسين والباحثين، ومن مكتبات اليوم المهمة في مسقط مكتبة أحفاد الشيخ سالم بن محمد الرواحي والقائم بأمرها حفيده الشيخ أفلح بن حمد وبها إضافة للكتب الثمينة النادرة كثير من الوثائق التي قد لا توجد في غيرها.

ومكتبة الشيخ محمد بن مسعود البوسعيدي في مدينة «منح» وقد اشتملت مكتبة «منح» التي سُمّيت باسم هذا الشيخ العالم على المتبقي من كتبه القيّمة وإن كان أكثرها قد تلاشى ولم يعد له وجود، وأيضا مكتبة الشيخ سيف بن علي المسكري في بلدة «العلاية» بولاية إبراء وكانت توجد في بيته الأثري الكبير المسمى «بيت الخروس» وقد اشتملت على نحو ثلاثمائة مخطوط عدا الكتب المطبوعة اختفت بعد وفاته ولا يدري اليوم ما إذا كان قد بقي شيء منها وأين موضعها أم إن الدهر أهلكها فيما أهلك، ومن مكتبات عمان أيضا مكتبة الشيخ سلطان بن محمد البطاشي في قرية «إحدى» من وادي الطائيين التي ذكر الشيخ المؤرخ سيف بن حمود البطاشي أنه كان بها على أيام صاحبها في سنة 1224هـ ما يصل إلى ألف مخطوطة وقد فقد الآن أكثرها وربما دخل شيء من بواقيها في مكتبة الشيخ سيف المذكور التي في بلدته «إحدى» وبها عديد من نوادر الكتب المخطوطة والمطبوعة، ومن المكتبات التي تذكر كذلك مكتبة «الرحبيين» في بلدة «نقصي» بوادي الطائيين التي قيل إنها كانت تحتوي على عدد من المخطوطات والكتب المهمة ولكنها تعرّضت لحريق قضى عليها. وهناك لا شك مكتبات أخرى فاتنا ذكرها ومنها مكتبات الحكام والسلاطين في مسقط وفي زنجبار ومكتبات العلماء والأدباء مما لم نستطع معرفتها.

ومن مكتبات العصر الحاضر البارزة إضافة إلى ما ذكرناه مكتبة قصر العلم ومكتبة حصن الشموخ ومكتبة الجامع الأكبر ثم مكتبة وزارة التراث والسياحة التي تحتوي على أكثر من أربعة آلاف مخطوط إضافة إلى كثير من الكتب التي طبعت بداية عصر الطباعة ومكتبة العلامة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام لسلطنة عمان وبها المئات من المخطوطات والمطبوعات القديمة ومكتبة جامعة السلطان قابوس ومكتبة هيئة الوثائق والمحفوظات ومكتبة الأستاذ عبدالقادر بن سالم الغساني في ظفار التي أطلِق عليها اسم «دار الكتاب» ومكتبات أخرى كثيرة تعود ملكيتها لأفراد من المهتمين في مسقط وصحار ونزوى والسويق وإبراء وسمائل وصور وإزكي وبدية والمصنعة والرستاق والبريمي وظفار ومسندم والخابورة وجعلان وعبري والعوابي وصحم وفي شتى الولايات العمانية، حيث تتبارى هذه الأيام المدن العمانية لافتتاح المكتبات العامة فيها وفي الكبار منها ما زاد عن الأربع أو الثلاث وليس في المدن فحسب بل حتى القرى المتوسطة والصغيرة سارعت كذلك في إنشاء المكتبات كل حسب مقدرتها.

وفي كل ذلك دلالة واضحة على الاهتمام الكبير الذي يبديه العماني تجاه الكتاب والأهمية البالغة التي يوليها إياه مثله مثل شقيقه العربي ومثل كل معتن بالمعرفة وحالم بالثقافة الجادة في كل أقطار العالم.

وسيظل الكتاب نبراس هدى ومصدر إشعاع يمد أنواره الساطعة في كل مكان مهما تطورت البشرية وتوالت المستجدات والمخترعات ولن يستطيع الكائن البشري الاستغناء عن الكتاب كرفيق دائم يمنحه الوعي ويقوده نحو الآفاق الواسعة التي لا حدود لها.
https://www.omandaily.om/ثقافة/na/إشارات-حول-مكتبات-عمان-وكتبها