الفنان القدير صالح زعل في حواره مع “عمان”

الفنان القدير صالح زعل في حواره مع “عمان”: فرحون بعودة الدراما العمانية شاركنا أم لم نشارك.. والنقد من أجل النقد لا نلتفت إليه
حاوره – عامر بن عبدالله الأنصاري
عندما تكون في رحاب تاريخ فني طويل من العطاء، وأمام شخصية شكَّلت ذاكرة الدراما العمانية، وأسّست لبدايات الصناعة الدرامية في سلطنة عمان، فإنك لا تعرف كيف تبدأ الحوار معه ومن أين تنطلق، هكذا انتابتني الحيرة قبيل الجلوس مع الفنان القدير صالح زعل الفارسي في منزله العامر، مجرد الموافقة على إجراء الحوار جعلني أمام مسؤولية كبيرة، فوقفت عاجزا عن صياغة الأسئلة التي تشكّلت شيئا فشيئا، وعلّها تكون وافية لهذا التاريخ الفني الطويل وتليق بمكانة القراء؛ حدث اللقاء برفقة أستاذنا الشاعر عبدالرزاق الربيعي، وجمعتنا الجلسة على مائدة “الغبقة” الرمضانية في بيت الفنان القدير صالح زعل بعد أن استقبلنا بابتسامة تعلو محياه، فكان الحوار الذي تطرّقنا فيه إلى موضوعات عديدة، وجرّت إجاباته أسئلة أخرى لم تكن قد صيغت من قبل، فماذا جاء في هذا الحوار، لنقرأ:

* بعد انقطاع حوالي سنتين، كيف تقيّم عودة الدراما التلفزيونية والإذاعية؟

** الأمر المهم جدا بالنسبة لي هو عودة الدراما التلفزيونية والإذاعية بعد توقف دام حوالي سنتين، شاركنا أم لم نشارك فرحون جدا بهذه العودة. أنا اليوم أطل على الجمهور من خلال ثلاثة أعمال، العمل التلفزيوني “اسمع وشوف” والمسلسل الإذاعي “آمال مبحرة” والمسلسل الإذاعي “مخالف ملتزم جدا”، وأتمنى أنه بعودة الدراما تستمر حركة الإنتاج طوال العام، أما بالنسبة لتقييم الوضع، فكل عمل معرّض للإخفاقات والنجاح، وهذا ما لا يمكن أن أحدده بنفسي، ولكن كانطباع أولي لمسته من الناس على مسلسل “اسمع وشوف” أنه عملٌ مُتقبل، وهذا هو أمر مهم، بالتالي العودة جميلة وجيدة ونتمنى لها الاستمرارية ليس بشكل موسمي فقط بل طوال السنة، ومن وجهة نظري أرى أن العودة جيدة وتلامس طموحي من بعد هذا التوقف. في العادة وقبل التوقف كان يتم إنتاج عمل أو عملين إذاعيين، ولكن في هذا العام هناك أربعة أعمال إذاعية وهذا أمر جيد.

ويجب التنويه إلى أن سبب التوقف هو من تطبيق الإجراءات الوقائية جراء تفشي فيروس كورونا، ليس هنالك سبب آخر كما يعتقد البعض من أن هناك أسبابا مالية أو غير ذلك.

* ها قد بدأنا في عرض مسلسل اسمع وشوف، إلى الآن ما هي الانطباعات التي وصلت عن المسلسل، سواء من الجمهور أو من الفنانين؟

** من ناحية الوسط الفني فحقيقة لست ألقى الزملاء الفنانين بشكل كبير هذه الفترة، لأنني لا زلت أسجّل عملا إذاعيا، والمشتغلون معي في العمل الإذاعي ليسوا المشتغلين في مسلسل “اسمع وشوف”، لكن من خلال التقائي مع الجمهور أثناء مشاوير التسوّق والمشاوير اليومية أرى أن ردود فعل الجمهور جيدة، صحيح أن هناك بعض الملاحظات، ولكن نسبة الانطباعات الجيدة نسبةٌ ممتازة جدا، وهذا أمر مريح جدا لنا كفنانين، وككادر عمل مسلسل اسمع وشوف، وأنا مستمع جيد للنقد البنّاء وهو نقد مفيد بالنسبة لي، أما النقد من أجل الهجوم فقط فلا ألتفت إليه، ولا أعتقد أن أحدا من كادر العمل يلتفت إليه كذلك.

* هل ترى أن مسلسل “اسمع وشوف” يعوّض ما سبقه من توقف؟

** في رأيي، نعم يعوّض؛ لأن العمل يناقش عدة قضايا، والكثير من حلقاته تلامس الواقع ومن الضروري التطرق لها وتقديمها للناس، وأعتقد أنه من الملاحظ أن هناك بعض الحلقات مستواها متوسط، وبعض الحلقات مستواها عالٍ جدا، أي أن هناك تفاوتا بين الحلقات، ويعتمد ذلك على خصوصية الحلقة المطروحة والموضوع، وبشكل إجمالي أرى أن المسلسل حقق مشاهدة جيدة.

* ذكرت أن هناك تفاوتا في مستوى الحلقات، هل هذا ما يميّز العمل الدرامي ذي الحلقات المنفصلة؟ بمعنى هل الحلقات المنفصلة تُجنّب فريق العمل الوقوع في فكرة واحدة عامة قد لا يتقبلها المجتمع؟

** من الممكن أن يكون كلامك صحيحا، وشخصيا أرى أن الحلقات المنفصلة يُقبل عليها الجمهور بشكل أكبر، ويتقبلها، لأنها ذات أفكار متعددة ومتجددة، فقد يلامس العمل كافة أفراد المجتمع إذ لا بد أن يجد حلقات تطرح قضيته، أما المسلسلات ذات الفكرة الواحدة فهي أحيانا قد تُنفذ في 15 إلى 20 حلقة، ولكن المخرج قد “يمط” في الحلقات ما يؤدي إلى رتابة الأعمال، ولا أعمم، وهناك أعمال كثيرة تدخل في شباك الرتابة، والحلقات المنفصلة تعني أنها متجددة فيترقبها الجمهور.

* توقفت الدراما التلفزيونية في سلطنة عمان منذ سنتين، هذا التوقف أدّى إلى عدم اشتراكك مع رفيق دربك الفنان سعود الدرمكي حتى وافته المنية -رحمه الله، ما الذي يبقى في ذاكرتك من هذا التعاون الذي استمر لسنوات طويلة؟

** كل الخير بيني وبين رفيق دربي الراحل سعود الدرمكي، هو ليس صديقا فحسب بل هو فنان قدير وكبير، والدراما تأثرت كثيرا برحيله، وهذه الشخصية لا تتكرر أبدا، هو والفنانة الراحلة شمعة محمد، والفنان جمعة الخصيبي، شخصيات لها حضورها المميز وبصمتها الخاصة التي لا يمكن أن تتكرر، وأنا مع المرحوم سعود جمعتنا علاقة أخوة وصداقة طويلة، والذكريات لا تحصرها الأعمال الباقية في الذاكرة المجتمعية مثل “الشايب خلف” و”سلوم الحافي” و”سعيد وسعيدة”، كما أننا كلما التقينا في عمل كان هناك انسجام تام وتفاهم فطري بيننا، والعمل بيننا يسير بسلاسة مطلقة، لذلك أفتقده بقوة حقيقة، ولو كان حاضرا بيننا اليوم في الأعمال لخرجنا بأعمال أجمل في اعتقادي، مع احترامي لكل من اشتغل معنا في هذا الموسم، إلا أن سعود مختلف فبالنسبة لي لا يعوض، في العمل وفي الحياة الاجتماعية.

وسعود الدرمكي هو “الوليف” كما نقول في الدارجة، ولطالما شكّلنا ثنائيا لسنوات طويلة، ثنائيا جميلا بشهادة الجمهور والجميع، أنا أفتقده بقوع، وأدعو له بالمغفرة والرحمة.

* في هذا العام رحلت عن عالمنا الفنانة القديرة شمعة محمد، أثناء عملها، ماذا تقول في حق هذه الفنانة؟

** في العمل الأخير “اسمع وشوف” اجتمعت مع الفنانة الراحلة شمعة محمد في حلقات كثيرة، ربما كانت من أكثر الشخصيات النسائية التي أديت معها الأدوار، مرة بدور زوجة، ومرة بدور الأخت. الفنانة شمعة محمد -ويتفق معي الكثير على ذلك- هي صاحبة الصدر الرحب، والابتسامة الجميلة التي تقابل بها كل الناس وليس أمام الكاميرا فحسب، إنسانة كما وصفت نفسها (أم الفنانين) وفعلا كانت جديرة بهذا الوصف، إذ كانت تحوي الجميع برحابتها وبشاشتها وتواضعها، ووفاتها فاجعة إذ كانت مفاجئة، ونعزي أنفسنا في وفاتها لأنها فقيدة الجميع.

* ما زال بعض الفنانين العمانيين حريصا على المشاركة في أعمال خليجية، هل الموضوع مجدٍ إلى هذا الحد؟

** أرى أنه لا مانع من المشاركة في الأعمال الخليجية، هي فرصة جيدة حقيقة إذا ما كان الفنان يمتلك الوقت الكافي، فلو جاءني عمل خليجي وليس لدي ارتباط فلن أمانع أبدا من المشاركة، وهذا أمر جميل حقيقة، هذا التعاون والمشاركة مع إخواننا فناني الخليج، لكن موضوع أن تكون الأولوية للمشاركة الخليجية أرى أنها ترجع للفنان ولتقديره، فبعض الفنانين العمانيين قد يبدي استعداده للمشاركة في عمل عماني، ولكنه بعد ذلك يعتذر لقبول عرض خليجي، وأنا لا أحبذ ذلك، فالالتزام بالكلمة أمر مهم جدا ومهني كذلك، وربما البعض يغلّب المصلحة المادية، ولكن الأهم من ذلك من وجهة نظري تقديم العطاء للوطن.

* الكثير من الفنانين اليوم لديهم حسابات في مواقع التواصل الاجتماعي، للتواصل مع الجمهور ونشر أخبارهم الفنية وأحوالهم، وأنت بعيد عن هذا العالم، لماذا؟

** صحيح، فأنا لا أوجع رأسي بدخول هذا العالم الواسع، هو عالم يسبب لي “الدوشة”، ويجعلني أطيل التفكير بأمر أرى أنني بغنى عنه، وبعض أبنائي حاول معي لإنشاء حسابات وإدارتها نيابة عني، ولكني رفضت ذلك، هم ما زالوا يحاولون وأنا أفكر، وإلى الآن لم أستقر على أمر، وربما إذا زاد تأثير أبنائي علي ستشاهدون حسابا في هذا العالم باسمي، ولكن في الوقت الحاضر ليس هناك شيء، وأنا عن نفسي مكتف بما يصلني بالواتساب، أو النشرات الفنية، أو الصحف، هذا أمر يكفيني.

* تاريخك الحافل بالعطاء الفني، هل ترى أنه تم تقديره من قِبل المؤسسات الحكومية أو الأهلية ذات الاهتمام؟

** حقيقة لا أعرف، فاجأتني بهذا السؤال، وفي الوقت نفسه أحيانا يشغل بالي هذا الأمر، الأمر على شقين، الأول وهو الجمهور، وأرى أنه مقدر لي بشكل كبير، وهذا أمر ألمسه في كل مكان، أما الشق الثاني وهو المعنيون في الوسط الفني، وهم كذلك يقدرون شخصي ويحترمونني ولا يردون لي حاجة إذا ما طلبتها.

* هل ندمت على المشاركة في أعمال درامية أو مسرحية أو سينمائية؟ وكيف تعتبر التجارب التي لم يكتب لها النجاح؟

** لم أندم على أي عمل شاركت فيه، إنما استفدت من كل الأعمال التي قدمتها، سواء كانت ناجحة أو عكس ذلك، هي دروس تعلمت منها، حتى التجارب الفاشلة علمتني كيف أختار دوري بعناية، كيف اختار شخصيتي، حتى الأعمال الناجحة بعضها كانت صعبة ولن أكرر فيها الشخصية نفسها، وأرى بعض الفنانين يقولون إنهم نادمون على المشاركة في العمل الفلاني، وأقول لهم لولا مشاركتكم في تلك الأعمال الفاشلة لما عرفتم أنها فاشلة، ولما عرفتم كيف تتفادون ذلك بعد هذه المرة.

* الفنان صالح زعل متى يعتذر عن المشاركة في الأعمال الفنية؟

** حينما لا يناسبني العمل، ولا تناسبني الشخصية، حقيقة أقول لم أرفض أي عمل منذ مسيرتي الفنية، أعتقد أن ذلك يرجع إلى حسن اختيار المخرج وأن هناك رأيا متفقا.

وعلى ذكر التجارب، فكما يعلم الجميع أني شاركت في مسلسل “حارة الأصحاب” قبل حوالي 4 أعوام بدور شاب صغير، بداية لم أكن موافقا، ولكن تم إقناعي بأن المكياج سيصنع هذه الشخصية، وأديت تجربة مبدئية على يد متخصصين في المكياج لمدة يوم كامل، واقتنعت بذلك رغم أنني لا أحب حلق اللحية، ولكني تفاجأت بعد ذلك بأن الموضوع متعب جدا ومرهق من المكياج الكثيف، وأدوات لشد الجلد من أشرطة لاصقة تُثبت على الرقبة، فالوضع كان متعبا ويستمر لحوالي 4 ساعات لأجل التصوير، وسبب لي حروقا وحساسية مؤلمة، وقد تم تأجيل تصوير بعض المشاهد بعد حوالي ثلاثة أيام لكي تهدأ الحساسية قليلا، وهنا أرجع إلى موضوع الدرس، هذه التجربة لم أندم عليها، ولكنها كانت درسا لي بأن لا أقبل شخصية أصغر من عمري الحقيقي بكثير، فهي شخصية لا تناسبني.

* على ذكر المخرجين، هل كل المخرجين اليوم جديرون بهذا الاسم؟

** حقيقة أقول، المخرج أصبح الآن أقل مسؤولية من قبل، فاليوم نجد المخرج أو بعض المخرجين لا يقوم هو بدور اختيار الممثلين، إذ أصبح دور اختيار الممثلين من اختصاصات المنتج، كذلك يقوم المنتج باختيار المخرج والممثلين والكاتب وكل شيء، وهذا الأمر حاصل في كافة دول الخليج، إذ أصبح دور المخرج فقط هو التنفيذ.

* ماذا تريد أن تقول للجمهور من خلال جريدة (عمان)؟

** أتمنى للجمهور الكريم أن تتحقق كل أمنياتهم الطيبة، وأبارك لهم هذه الأيام المباركة من شهر رمضان المبارك، قدّمنا هذا العام مسلسل “اسمع وشوف”، وبكل تأكيد كل عمل معرّض للملاحظات والانتقادات، وأتمنى أن يستمتعوا بهذا العمل الرمضاني، وليكون الجمهور على يقين بأن كل ملاحظاته التي تردنا نستمع لها جيدا، وكل نقد بنّاء نستفيد منه بكل تأكيد، أما النقد من أجل النقد فهو ما لا نستفيد منه، وعذرا لن نلتفت إليه، وآراؤكم واقتراحاتكم نحترمها و”على العين والرأس”.

كما أود هنا أن أسجّل كلمة شكر لمعالي وزير الإعلام الدكتور عبدالله الحراصي على دعمه وتقديره لكل المشاركين في مسلسل “اسمع وشوف”، فمعاليه كان دائما عونا وسندا ويقدّم توجيهاته للمسؤولين، كما راعى معالي الدكتور مسألة الأجور بالنسبة للممثلين، وكانت له توجيهاته بهذا الشأن، فكل الشكر له على دعمه الدائم، ونتمنى للدراما أن تستمر بجهود المسؤولين ودعم معالي وزير الإعلام.
https://www.omandaily.om/ثقافة/na/الفنان-القدير-صالح-زعل-في-حواره-مع-عمان-فرحون-بعودة-الدراما-العمانية-شاركنا-أم-لم-نشارك-والنقد-من-أجل-النقد-لا-نلتفت-إليه