تجربتان في الترجمة وحكاية رحلة نقل الأدب بين اللغات

كتبت – بشاير السليمية

في جلسة حوارية ضمت تجربتين في الترجمة بمعرض مسقط الدولي للكتاب، استضاف المسرح المدرج الصحفي والروائي العراقي صموئيل شمعون والدكتور والشاعر هلال الحجري تحدثا خلالهما عن تجربتهما في الترجمة من خلال مجلة بانيبال وترجمة الشعر وأدب الأطفال.

وقال الروائي العراقي الذي يزور مسقط للمرة الثالثة في افتتاحية الجلسة: «كنت أحلم أن أكون سينمائيا، وعندما نشرت «عراقي في باريس» بالإنجليزية، ثمة سينمائي قرأ كتابي وكتب لي أنه أعجبه، وقال لي: «رأيت شابا عراقيا ينام في الشوارع ويحلم أن يكون سينمائيا ويصبح روائيا».

وفي حديثه عن علاقته بالأدب قال: «علاقتي بالأدب بدأت عندما كنت في بيروت ولا أحد يكون في بيروت ولا يحب الأدب». وفي حديثه عن مجلة بانيبال التي بدأت من سؤال: لماذا نعيش في الغرب ونقرأ ونكتب بالعربية؟!

قال: «إنشاء مجلة أو منصة تحتاج لميزانية وقلت لأصدقائي نحن نجلس في المقاهي ونعادي الحكومات فلماذا نطلب منهم أن يفتحوا المجلات؟!»

وعن أحد أسباب إنشاء المجلة لم ينس شمعون الحاضرة الغائبة بمثل فرنسي يقول: «شيغشيه لا فام»، وقال كل ما قدمت كان بسبب مارغريت أوبانك زوجتي وكما يقول المثل الباريسي إذا ما أردت أن تحقق شيئا فابحث عن المرأة». وأضاف: «في ٩٦ أصبحت أفكر في مجلة تصدر بالإنجليزية، وفي ٩٧ أصبحنا نريد أن ننجز هذا المشروع ولكن نحن شخصان مارجريت متقاعدة وأنا صحفي، وسألت الكتاب في لندن واكتشفت أن لديهم أعمال مترجمة ولكن ليس لديهم منبر لنشرها، إلى جانب أنها لم تكن ترجمات احترافية»

وحول تجربة البدايات قال: «لم تكن لدينا تجربة في التحرير وبعد سنة صدر العدد الأول ولم نكن نعرف ماذا نفعل في العدد الثاني، ثم صدر العدد الثاني والعدد الثالث واستمرت ٢٥ سنة ولم نخطط لأي شيء ولكن المجلة انتشرت»، وأشار إلى أن المثقف الغربي ذكي جدا ويعرف ما المجلة الأدبية وما المجلة الدعائية وقال: «أنا فخور بأننا أعطيناهم انطباعا أنها مجلة أدبية، وتقدم كتابا رائعين من الوطن العربي». وقال: «ترجمنا للعمانيين منذ البدايات الأولى بسبب وجود طلاب عمانيين في لندن والعلاقات التي تربطنا بهم».

وحول خطة المجلة في البداية قال: «بدأنا نترجم بشكل عشوائي فارتأينا نشر قصة من هنا وقصيدة من هناك ولكننا بعد ذلك بدأنا بنشر ملفات وموضوعات تثير القارئ الغربي مثل أن نسلط الضوء على الأدب في اليمن فهذا يثير انتباههم. فدخلنا مرحلة مهمة ارتفعت خلالها الاشتراكات، وحولنا بانيبال إلى نسخة رقمية للجامعات ومعظم العائدات كانت تأتي من الرقمية أكثر من النسخة الورقية». وأشار شمعون إلى أن المجلة مستقلة تماما ولم يحصلوا على أي دعم لمدة ٤ سنوات وأنه ومارجريت كانوا يصرفون على المجلة.

وفي سؤال لماذا نجحت بانيبال؟ قال شمعون: إن السبب الأساسي هو الحرية في النشر، ولكن سبب نجاحها هو أنها مجلة عربية تصدر بالإنجليزية، وليست إنجليزية تصدر عن الأدب العربي، وأتت من داخل المشهد العربي وترجمت، وهذا يجب أن يكون نهج المشاريع من أناس من داخل المشهد، وسبب آخر، يكمن في أن لابد أن تكون الترجمة جيدة ومحررة وأن يكون المحرر ملما ويملك خلفية أدبية». وعن سبب الاهتمام بالأدب العربي مؤخرا والتحول الكبير في العشرين سنة الأخيرة والتي جعلت الغرب يهتم بالأدب العربي، قال: «نحن لعبنا دورا كبيرا إلى جانب أحداث ١١ سبتمبر التي أثارت انتباه العالم والمجلة كانت قد أطلقت قبل الواقعة بـ ٤ سنوات وفي ٢٠٠٤ كذلك عندما أطلقت جائزة البوكر وجوائز أخرى وكل هذه العوامل جعلت الأدب العربي مقبولا».

وأضاف: «لا توجد عندنا مؤسسة يمكن أن نلجأ إليها إذا ما أردنا أن نترجم كاتبا أو شاعرا بينما كل دول العالم لديها صندوق يدعم الترجمة بدون سؤال».

وتحدث الدكتور والشاعر هلال الحجري عن محورين الأول: ترجمة القصائد المتعلقة بالعرب والثاني ترجمة مختارات من عيون أدب الأطفال العالمي.

وفي حديثه عن البدايات قال: «وجدت نفسي منخرطا في الترجمة منذ سنوات مثلما هو يفعل شمعون وأوبانك وهو جهد مقدر لأن واقع الترجمة في العالم العربي مؤلم والدراسات التي تناولتها كانت بنبرة بكائية ترثي حال الترجمة في العالم العربي وهناك فارق في سيرورة الترجمة ونوعيتها بيننا وبين الغرب». ويرى الحجري أن المشاريع القومية فشلت في العالم العربي وكلها مشاريع شخصية.

وعن ترجمته لجنس أدبي له خصوصيته وهو الشعر أشار الحجري إلى أن مقولة للجاحظ كان لها التأثير الكبير والواسع على حركة ترجمة الشعر: «الشعر لا يستطاع ترجمته ولا يجوز نقله وإذا حول فإنه يتقطع»، وأشار إلى أن العرب منـ العصور الأولى نأوا بأنفسهم عن ترجمة الشعر. ملفتا إلى أن رأي الجاحظ هذا كان سائدا على مستوى النخب في التهيب من ترجمة الشعر، وأضاف: «هذه الرؤية انتقلت إلى الآداب العربية الأخرى وهي نظرة بولغ فيها وليست ترجمته بهذه الصورة الأسطورية». وأشار الحجري إلى أن القلق الذي جعل يرسم هذا التصور المهيب كان سببه الخوف من ضياع الوزن والموسيقى في الشعر.

وغامر الحجري في ترجمة بعض النصوص من الإنجليزية إلى العربية عبر مشروعين الأول عبر ترجمة قصائد من الإنجليزية بعمان والعرب عام ٢٠١٠ و«غواية المجهول» الذي سبقته ترجمات أخرى.

وعما دفعه عن ترجمة هذه القصائد هو دهشته من اندهاش الشعراء أمثال طومس مور والذين لم يأتوا إلى عمان ولكن فتنة المجهول دفعتهم إلى تخيل هذا المكان القصي من شبه الجزيرة العربية. وقال: تطور المشروع لأنقله إلى شبه الجزيرة العربية فصدر الجزء الأول من بلاد الشمس والذي كان ضمن مسار البحث عن نصوص تتناول العرب وثقافتهم فوجدت نصوصا مدهشة.

ويرى الحجري أن أسباب كتابتهم عن المنطقة العربية كان كتاب «ألف ليلة وليلة» الذي بفعله أصبحوا يتخيلون شرقا قد لا يكون موجودا، وحسب الحجري فإن السبب الثاني هو الرحالة الذي دفعوهم لاستلهام شبه الجزيرة العربية.

وأصدر الحجري هذا العام عن دار الفرقد الجزء الثاني مؤكدا على أنها مغامرة وقال: «أعتقد أنه بجانب كوني شاعرا أن الشعر جسر حقيقي للتقارب بين الثقافات وترجمته مهمة وينبغي ألا نستهين بها».

وفي حديثه عن المشروع الثاني وهو ترجمة شعر للطفولة أشار إلى أنه ضمن متابعته لما كتب للأطفال في الأدب الغربي. وأشار إلى أنه لا يمكن أن تشكل الأغاني التي كانت تغنيها النساء العربيات لأبنائهن هذا الجنس المسمى بأدب الأطفال ولكنه جاء بعد الترجمات التي شهدناها من الغرب. ملفتا إلى أن الجيل الحالي من الأطفال محظوظون بسبب الترجمة المتواترة والمتوالية، مشيرا إلى أن الحكايات وجدت جمهورا متعطشا من الأطفال. وقال: شعراؤنا الكبار ابتعدوا عن الطفولة، فيما نزل الشعراء الأجانب من أبراجهم العاجية وكتبوا للطفل».
https://www.omandaily.om/ثقافة/na/تجربتان-في-الترجمة-وحكاية-رحلة-نقل-الأدب-بين-اللغات