9 أوراق عمل تكشف محطات مؤثرة فـي حياته ومسيرته الفكرية
كتب ـ عبدالله بن سعيد الجرداني:
انطلقت صباح أمس بقاعة جامع السلطان قابوس الأكبر، الندوة العلمية (قراءات في فكر الشيخ سليمان بن ناصر اللمكي)، التي تنظمها وزارة الثقافة والرياضة والشباب، ممثلة في المنتدى الأدبي، ولمدة يومين، وذلك برعاية فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي، مساعد المفتي العام لسلطنة عُمان، بحضور عدد من الأكاديميين والمفكرين وأحفاد الشيخ اللمكي.
الندوة تهدف إلى إبراز سيرة الشيخ سليمان بن ناصر اللمكي، من خلال تسع أوراق عمل يقدمها باحثون متخصصون، تسلط الضوء على محطات بارزة من حياته ونشأته، إلى جانب إسهاماته العلمية والفكرية. استهل الافتتاح بكلمة وزارة الثقافة والرياضة والشباب، ألقاها ناصر بن سالم الصوافي مساعد رئيس المنتدى التربوي، قال فيها: إن الوقوف على ما أنتجه اللمكي يسهم في تعريف النشء من أبناء هذا الوطن بتاريخهم العريق ليعزز لديهم الهوية والانتماء.
وأضاف: تحط بناء اليوم سلسلة ندوات من أعلام عُمان، لنتناول شخصية جليلة أسهمت في نهضة التطوير، ولنؤكد للعالم أجمع بأن الحضارة العُمانية حضارة وئام وسلام، تُعنى ببناء الإنسان والأرض، وتسهم في تنمية المعمورة شرقا وغربا، نقف اليوم مع تجربة ثرية وقامة ثقافية وسياسية وإنسانية، إنه الشيخ سليمان بن ناصر اللمكي، أحد أقطاب الحضارة العُمانية في الشرق الإفريقي، نتدارس سيرته وعطاءه، من خلال مجموعة من الاطروحات العلمية، تطوف بنا بين نشأته وأدواره ومواقفه، يقدمها أساتذة أجلاء، يسلطون الضوء من خلالها على العديد من الجوانب في مسيرة الشيخ الجليل سليمان اللمكي.
بعدها شاهد الحضور عرضًا مرئيًّا، تضمن مقتطفات لبعض المحطات من سيرة الشيخ سليمان اللمكي، ثم ألقى محمد بن أحمد اللمكي، كلمة مماثلة نيابة عن أسرة المحتفى به، قال فيها: لقد عاش اللمكي مرحلة مملوءة بالتحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ومع ذلك فقد تمكن بفضل الله وبفضل بصيرته وحنكته، من أن يسهم في ترسيخ قيم الاستقرار والتعايش، وأن يعكس صورة الإنسان العُماني أينما حل وحيثما ارتحل.
وأضاف قائلًا: إن دراسة سيرته المشرفة، تذكرنا أن التاريخ لا يصنع بالصدفة، وإنما يصنعه الرجال المخلصون الذين يضعون وطنهم فوق كل اعتبار. وألقى الشاعر عمّار ين سيف اللمكي قصيدة شعرية، وفي ختام حفل الافتتاح قام فضيلة الشيخ الدكتور راعي المناسبة بتكريم الباحثين المشاركين في الندوة، وتكريم أسرة المحتفى به، ثم اطلع والحضور على المعرض المصاحب الذي تضمن إصدارات المنتدى الأدبي المختلفة، ونتاج الندوات السابقة التي نظمها المنتدى.
عقب ذلك بدأت جلسات اليوم الأول من الندوة التي أدارها الدكتور عبدالله بن خميس الشماخي، استهلت بالورقة العلمية الأولى، قدمتها الباحثة آسية المحروقية حول نشأة الشيخ سليمان اللمكي واستقراره في شرق إفريقيا (1862- 1935م)، تناولت خلالها سيرة الشيخ اللمكي، الذي اتسمت حياته بالثراء في الجوانب الاجتماعية والسياسية والعلمية، وكان داعمًا للفقراء وساهم في بناء المساجد والمدارس من ماله الخاص، كما عرفت الحضور بأبناء الشيخ سليمان ونشاطاتهم المتعددة في المجتمع، واختتمت الورقة بإبراز تأثير البيئة التعليمية في زنجبار خلال تلك الفترة، والتي ساهمت في تشكيل وبلورة شخصية الشيخ العلمية والاجتماعية.
وفي الورقة الثانية، سلّط الباحث الدكتور محمد العريمي الضوء على (المكانة والدور الاجتماعي للشيخ سليمان اللمكي في عُمان وزنجبار)، أوضح فيها جوانب من شخصية الشيخ الاجتماعية من حيث النشأة وعلاقاته المجتمعية، سواء مع سلاطين عُمان وزنجبار أو مع بقية أطياف المجتمع، وأبرز المراسلات الاجتماعية الصادرة والواردة إليه، وأدواره الإجتماعية في عُمان وزنجبار، وأبرز المآثر الاجتماعية التي قام بها، ووصيته وما حوته.
أمّا الورقة الثالثة، فكانت عن (الدور السياسي للشيخ سليمان اللمكي)، قدّمها الباحث الدكتور ناصر الريامي، تطرق خلالها إلى علاقة الشيخ مع سلاطين عُمان وزنجبار وأهم المناصب التي أسندت إليه، وعلاقته مع الألمان وتعيينه واليًا على دار السلام قبيل إخضاع (تنجانيقا) للنفوذ الألماني، كما تحدث عن علاقته مع الإنجليز الذين عاملوه فور اندلاع الحرب العالمية الأولى معاملة العدو، لثبوت صداقته مع الألمان.
بينما تحدث الباحث الدكتور سليم الهنائي في الورقة الرابعة، عن الدور العلمي والثقافي للشيخ سليمان اللمكي، إذ ساهم انتقاله إلى زنجبارفي أن تسنح الفرصة له للقيام بالكثير من الجوانب لخدمة العلم والعلماء، وقد تعددت تلك الأدوار ما بين بناء المدارس سواء في زنجبار أو عُمان، مثل المدرسة البارونية في سمائل، وكذلك المساهمة في طباعة الكتب مثل كتاب (شرح النيل) إضافة إلى دعم الدارسين والمساهمة في بناء وتشييد المساجد والتي تقوم بدور تعليمي وتثقيفي في نفس الوقت.
وتتواصل صباح اليوم جلسات اليوم الثاني من الندوة، بتقديم خمس أوراق عمل علمية، تتناول الأولى (الدور الريادي في الحياة السياسية والاجتماعية للشيخ سليمان اللمكي، في عُمان وشرق إفريقيا) يقدمها الباحث الدكتور مسعود الحضرمي، وتحمل الورقة الثانية عنوان (المراسلات المتبادلة بين الشيخ اللمكي ومعاصريه)، للباحث الدكتور سليمان الكيومي، بينما تعرّج الورقة الثالثة إلى (رحلات الشيخ سليمان اللمكي وأسفاره)، يقدمها الباحث الأستاذ أحمد الشبلي، أما الورقة الرابعة من اليوم الثاني، فتتحدث عن (الفكر التنويري لدى الشيخ سليمان)، يقدمها الباحث الدكتور موسى البراشدي، فيما يقدّم الباحث الجزائري بلحاج ناصر الورقة الأخيرة بعنوان (الشيخ سليمان من خلال مخطوطات ووقائع جزائرية وفرنسية). وتسعى الوزارة من خلال هذه الندوة إلى إبراز فكر الشيخ سليمان اللمكي ومكانته البارزة، وإخراج أعمالها في إصدار علمي يوثق سيرته ومسيرته الحافلة، بوصفه أحد أعلام عُمان البارزين في مطلع القرن العشرين، الذي وُلد في بلدة الظاهر بولاية الرستاق عام 1862م، وسجّل حضوره المميز في شرق إفريقيا، حيث عُرف بحكمته وبصيرته، وبقيت مواقفه شاهدة على إرث فكري وسياسي واجتماعي جدير بالدراسة والتوثيق.
من جانبه أكد فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي، مساعد المفتي العام لسلطنة عُمان وراعي المناسبة، أن الاحتفاء بسيرة الشيخ سليمان بن ناصر اللمكي يأتي وفاءً لحقٍّ من حقوق العلماء العُمانيين الذين رحلوا إلى رحمة الله تعالى، ورسالةً بليغةً للأجيال الحاضرة بأن القيم والأخلاق والحكمة والسيرة العطرة محل تقدير واحترام في هذا الوطن الأصيل. وأوضح أن هذه المناسبة تمثل جسرًا يعزز الهوية الوطنية ويرسخ الثقافة المجتمعية.
وأضاف فضيلته: أن الشيخ سليمان كان رجل دولة متميزًا، واسع الثقافة والمعرفة، متعدّد اللغات، استثمر هذا التنوع لخدمة وطنه ومجتمعه، وهو ما يجعل تجربته نموذجًا جديرًا بالاستحضار اليوم. فقد جاب البلدان، واطّلع على نظم الإدارة والثقافات المختلفة، واستفاد من التجارب والوسائل الحديثة في تطوير مجتمعه، مع حفاظه الراسخ على أصالة الهوية الوطنية والعادات والتقاليد.
وأشار إلى أن هذه المعاني تزداد أهميتها في عصر الانفتاح والعولمة والذكاء الاصطناعي، حيث تبرز الحاجة إلى تنوع المعارف والثقافات التي تثري المجتمع وتخدم الوطن، وتساهم في ترسيخ الهوية الوطنية وتعزيز الثقافة، بما يضمن نقل القيم النبيلة إلى الأجيال المتعاقبة.




